المشهد 14

الجميع ينتظر وصول الطائرة من دمشق إلى القامشلي.. وحديقة مطعم المطار تعج بالناس.. تأخرت الطائرة ساعة كاملة.. وأثرى تنظر إلى زاوية الحديقة لأنها شاهدت نينوس وهاروت من بعيد.. دمعت عيناها.. أثار ذلك انتباه الأم.. نظرت حولها.. شاهدت نينوس يلوح بيده لأثرى.. تعكرت تقاسيم وجهها.. التفتت إلى أثرى غاضبة وقالت:
– هالكلب أجى لهون كمان؟!
غضبت أثرى لهذه الكلمات.. واحتقنت وجنتناها بالدم والغضب من هذه الكلمات البذيئة وهي في حالة رحيل عن أجمل ذكرياتها وأصدقائها والوطن!!.. قالت والكلمات تتحشرج في حنجرتها:
– هادا مو كلب يا ماما!.. هادا نينوس وأنا أحبو.. أحبو.. أحبو!.
ثم أجهشت أثرى بالبكاء وجسدها الصغير الجميل يهتز كقصبة في مهب الريح!..
اقترب الأب منهما!.. سأل عن سبب بكاء أثرى!.. قالت الأم وهي تمد يدها باتجاه إحدى زوايا الحديقة:
– هداك الكلب نينوس لحقنا إلى هون!
نظر جرجس باتجاه زاوية الحديقة.. شاهد نينوس ينظر إليهم كفارس يطلب التحدي ودون أن يخفض رأسه أو بصره!
أشر له جرجس بيده بما معناه (تعال إلى هنا!).. أعطى نينوس دراجته لهاروت, ثم أسرع باتجاه جرجس وسط دهشة واستغراب الأم التي قالت:
– أيش عم تسوي؟!.. ليش قلتلو يجي لهون؟!
رد جرجس على زوجته دون أن ينظر إليها:
– اسكتي هلا.. أحسن ما أسوي مشكلة!!
فرحت أثرى.. وشرعت تمسح دموعها وسط ابتسامة مشرقة من ثغر شرقي مصبوغ بأحمر شفاه مثل خمرة العنب الأحمر!.
حياهم نينوس!.. فردت أثرى التحية بفرح.. ورد أبوها أيضاً بشيء من التحفظ, بينما قامت الأم وتوجهت نحو دورات المياه!..
قال جرجس:
– كيف صحتك يا نينوس؟!.. جيت تودعنا؟!!
– دمعت عينا نينوس.. هز رأسه إيجاباً.. وأحس أن كلماته اختنقت في زوايا حنجرته الكئيبة.. ظهرت بعض قطرات الدموع بين جفونه.. دمعت عينا أثرى وهي تنظر إلى نينوس.. وسالت دمعتان حارتان أيضاً على خدي الفنان جرجس, فحاول الابتعاد قليلاً ليسمح لهما بتبادل بعض المشاعر وهو يهمس لنفسه (ليتني كنت أعيد كتابة قواميس العادات والتقاليد من جديد!!).
اقترب الطفل بطرس قائلاً: بابا ليش عم تبكوا؟!
لم يستطع أحد أن يجيب على سؤال بطرس الصغير.. الجميع يحاول إخفاء دموعه!!.. وفجأة صاح بعض الأطفال من هنا وهناك:
هييي… أجت الطيارة.. أجت الطيارة!..
خفقت القلوب بشدة!!.. ازدادت الدموع انهمارا.. نظر نينوس في عيني أثرى.. نظرت هي الأخرى في عينيه.. أمسك بيديها دون أن يدري!.. وهمس لها بصوت خارج من قلب القلب, ومن خلال شفتين مرتجفتين:
– أثرى.. أخاف تروحي وما ترجعي.. أو تضيعي بالغربة!!
نظرت أثرى باتجاه أمها وقالت: هيك بدها أمي يا نينوس!
جاءت الأم على عجل قائلة: بسرع.. بسرعة.. أجت الطيارة.. احملوا الاغراض مشان نقرب عالباب!
شد نينوس على يدي أثرى.. ثم همس لها من خلال الدموع:
وترحلين جواداً يبحر في السماء
يعانق نجوم الهوى
يحفر ذكراه في أبدية روحي
يلثمني عبر المسافات الطويلة
يناديني دوماً نحو الولادة
نحو الفجر الذي تآلف مع عشقنا
أحبك أثرى…
وأبحث عن جنوني داخل شرايينك
أرتشف الخمرة من عينيك مع آلاف الصور الجميلة
ومن شفتيك تنهمر بدايات ألحان الآلهة
أيتها الراحلة من أوردتي
نحو دوائر الثلج
وشموخ الأشجار الباردة
وعتمة القطب المتجمد
وسقوط قطرات الصمت
الصمت.. الصمت.. الصمـ…. ـت!
أجهشت أثرى في البكاء.. فسحبتها أمها من كتفها بعصبية ثم وضعت حقيبة في يدها قائلة:
– احملي وبلا أكل هوى!.. أنت وأبوكي الفنان!
نظر جرجس بغض إلى زوجته.. قال لها:
– اخرسي!.. وإلا راح ألعن أبوكي وأبو اللي خلفكي.. بنت الكلب!.. شوفي أنا على حجة.. والله من هون راح أرجع وتروحي لحالكي على جهنم!!
صمت الجميع.. انسحب نينوس بهدوء وهو ينظر إلى أثرى التي تبتعد عنه رويداً رويداً.. بينما يصيح هاروت من بعيد:
نينوس اعطيها القصيدة.. القصيدة!
وركض نينوس باتجاه أثرى التي ألقت الحقائب من يدها وركضت هي الأخرى باتجاهه نينوس, ثم أخذت القصيدة من يده وأخفتها بين أصابعها قائلة:
والله يا نينوس موكون إلا ألك.. ومو انساك ابداً.. وصورتك تتكون معي على طول!
صاحت الأم من بعيد: 
– عجلي يا بنت الـ… !
ثم همست لنفسها: مليح ما خلينا حدا من الأهل يجي معنا.. والا كان انفضحنا!!.. الله يعلم أيش تتسوي هالحقيرة بالسويد!!
سمعها جرجس!!.. أجاب وكأنه يتحدث مع نفسه: والله هالبنت أشرف من كل أصلك!.. وأنت تعرفي كويس أيش عم أقصد!.
وصعد الجميع إلى الطائرة.. الأم في المقدمة.. بطرس يتبعها, فجرجس, ثم أثرى التي كانت تلوح لنينوس بيدها وكأنها تقتلع قدميها من أرض القامشلي اقتلاعاً.. وعندما وقفت أمام باب الطائرة, وضعت يدها على فمها ثم أرسلت قبلة ممزوجة بالدموع إلى نينوس من خلال نفخة وحسرة في الهواء وشعرت كأن روحها الصغيرة رافقت تلك القبلة لتستقر على شفتي نينوس!.
جلست أثرى قرب نافذة الطائرة.. نظرت باتجاه نينوس وقلبها يخفق بشدة كجناحي حمامة بيضاء في السماء, وأحست بأنها لم تعد تخاف من أمها مطلقاً, فالجرأة تتسرب إلى نفسها رويداً رويداً.. 
وهدرت محركات الطائرة بعنف.. ثم التهمت اسفلت المطار مثل ثعبان مخيف.. بعدئذ حلقت في أجواء القامشلي.. لتدور دورة العروس (كما قال نينوس والآلام تعصر قلبه الغض).. 
همست أثرى في نفسها وهي تودع المشاهد الأخيرة من القامشلي:
والله تأرجع.. تأرجع للقامشلي لو يقطعوا راسي.. وتأرجع لنينوس لو يبقى يوم واحد من عمري!.. ثم أغمضت عينيها وحنت رأسها وهي تتذكر أشياء كثيرة جميلة.. وامتزجت هذه الأشياء مع الدموع الحارة,, والهمسات الهادئة التي كانت تخرج من بين شفتيها بهدوء.
نينوس!!.. يا حبيبي.. هل تسمعني؟!!.. سأعود يوماً إليك.. سأكسر كل القيود.. سآتيك عروسة كما ترغب.. سألبس الفستان الأبيض.. وستحملني بين يديك في ليلة العرس.. وتجوب بي بين المدعوين.. سينثرون الورود على رأسينا!!.. وستلمع أضواء المصورين في الصالة!.. وسيغني المطربون أغنية خاصة لنا!!.. 
همس نينوس لنفسه وهو لا زال ينظر باتجاه الطائرة: لقد غابت أثرى في قلب السماء الزرقاء.. فهل سنلتقي يوماً ما؟!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *