المشهد 18

جرجس وزوجته والطفل بطرس ينتظرون في صالة الفندق, بعد أن طلبوا رقم هاتف منى في السويد للاتصال بها, بينما ظلت أثرى في الغرفة تقلب بين مذكراتها وأوراقها, ثم أخرجت قصيدة نينوس الأخيرة لتقرأها مرة أخرى.
تذكرت عندما ضغطت على يده في المطار, وكيف سرت قشعريرة الحب في جسدها, ثم قرأت: وترحلين من قلب الولادة
أيتها الموشومة في ذاكرتي
حباً ونيساناً
وردة بيضاء في بقعة ضوء
همسة روح من إله المحبة
ابتسامة شرق يعانق أزقة بلدي
يركع خاشعاً لحبنا
أنا وأنت.

أثرى
أناديك بصوت جريح راحل
وأهمس حروف اسمك المقدس
في خطواتي وأحلامي
أقرأ لك قصائد معتقلة
وحروفي تموت على مشانق رثة
وعبودية عفنة
وأجنحة متكسرة
لحمامة بيضاء عانقت سمائي.
قبلتك مرة في توحد الله
لكن
عانقتك آلافاً في عالم أشعاري
غزلت منك أغان سرمدية
رسمت إشراقة وجهك في دفاتر الهوى
تنفست روحك لأعبر شرايين أخرى
وأغيب ثملاً في بزوغ الضوء
لأنتشي برعماً في كوكب آخر
بنفسجاً في أرض العشق
روحاً لا تذوب في الأزل.
أحبك أثرى
وأشعة روحي تخترق الكون
لتلتحم مع روحك أينما كنت
في ساعات الفجر
في الصبح
في كل الأوقات.

أغمضت أثرى عينيها, ثم استلقت على ظهرها فوق أحد الأسرة وذهبت في خيالها إلى القامشلي.. إلى نينوس.. إلى هاروت.. ليلى.. شارع العشاق.. وباتت تمتص الذكريات اللذيذة, وتلثم الميدالية التي تحوي صورة نينوس في داخلها.. وفجأة تدخل أمها, وتشاهد أثرى في هذه الحالة, فتقول:أيش في بيدكي؟!.. هاتي تأشوف!
ارتبكت أثرى!.. وحاولت أن تخفي كل شيء!.. إلا أن الأم مدت يدها بسرعة إلى الميدالية وفتحتها لتشاهد صورة نينوس في داخلها!!.
– والله حلو!.. وشلون اعطاكي كل هالشغلات؟!!.. وايمتى يا بنت الكلب؟!
لم تجب أثرى, إنما سحبت الميدالية من يد أمها, ثم جمعت أوراقها.. بينما تابعت مارين قولها:
– أنا ما شفت بنت بعمر هالمقصوفة وتعمل هيك حركات!.. العمى!.. والله مافي غير أنهم سحروكي عند شي حدا.. بالفعل جيل هالزمان نزل من أنف الشيطان!.. بس قوليلي.. شلون راح تتزوجيه وأنتي بهالعمر؟!.. بعدين مين راح يوافق على هيك شي تافه!.. وأنتي تعرفي كويس أنه اللي صار بينك وبين هداك المراهق, ما هو إلا شغلة عجيان صغار.. ولا تحلمي أبداً تتزوجي في سورية!.. وراح تاخدي من أهلك في السويد, وتسكري بوزكي وتاكلي هوا.. سمعتي؟!.
يدخل جرجس.. يستغرب لما سمعه من كلمات.. قال: شو صار كمان؟!
أجابت زوجته: بنتك الفصعونة.. بتاخد ميداليات وصور هذاك المراهق معها للسويد!.. والله راح تسويلنا فضايح هونيك!.. هالحقيرة!.
تدخل جرجس غاضباً:
اخرسي مارين!.. ألف مرة قلتولكي ما يصير تتعرضي لأثرى.. ولا تخليني أسوي مشكلة بهالفندق!.. العمى يضرب عيونك!.. قلنالكي البنت صغيرة!.. وقلنالكي هيك ماراح تنحل المشكلة!.. وكل ما تشدي الحبل معها راح تشد هي أكتر!.. بس أنتي ما تفهمي إلا على كيفكي!.. العمى في عيونكي!
– أساساً كل المشكلة من ورا راسك!.. قال صغيرة قال!.. شوفها صارت مرا كاملة!.. بعمرها كانوا يتزوجوا ويجيبوا دزينة أولاد!.. والله لو كنت تخليني أتصرف معها متل الخلق والعالم.. كنتو تأخلي تصير متل الخاتم بيدي.. حقيرة!
– يهجم جرجس على زوجته.. ويلف أصابعه حول رقبتها قائلاً بغضب:
شوفي بدي أخليكي تموت هون قبل ما تصلي عالسويد.. إذا تاني مرة قلتي حقيرة.. فهمتي!
يبكي بطرس وهو يصرخ: لا.. بابا لااااااااااا!
يتركها جرجس فجأة وكأنه لطم على خده من كف بطرس الصغير!.. يهدئ من نفسه.. بعدئذ يداعب شعر طفله ليبعث الطمأنينة في نفسه, معتذراً عن تصرفاته.. قائلاً:
معليش حبيبي بطرس!.. مرات ماما بتصير متل المجانين!.. لازمها فركة أنف ورقبة!.. ما كان بدي أموتها.. لا تخاف حبيبي!.. مرة نتقاتل ومرة نتصالح.. كل الناس هيك تسوي يا ابني!
وكأن جرجس كان يريد أن تسمع أثرى أيضاً هذا الكلام حتى لا تشعر بتأنيب الضمير.
يقرع الباب.. يدخل أبو عادل.. ويتم الإتفاق على موعد الاستيقاظ وكيفية الوصول إلى المطار صباحاً, وبعض الأمور الأخرى, ثم يستلم الدولارات المتفق عليها حسب الهاتف الذي جرى مع منى قبل قليل. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *