المشهد 27

يتشاور المهربان على بعد عشرة أمتار من العائلة, وقد لا حظ جرجس وكأن مشكلة ما قد حصلت بينهما.
وظن أنهما يتحدثان عن صعوبة توصيلهم إلى مدينة (مالمو) وخوفهما من البوليس بعد أن قبضا المبلغ, وأنهيا المهمة.
اقترب أحد المهربين من جرجس, وقال له:
– شوف يا أبو الشباب.. جايز نتعرض لدورية بوليس وجايز لأ.. وفي هالحالة لازم نتخبأ بين الشجر, وننتظر كم دقيقة, وبعدين نكمل طريقنا!.
استغرب جرجس لهذا الأمر, وقال:
على أساس داخل السويد ما في تفتيش!!.. هيك قالت منى!.
أجابه المهرب متسائلاً: نحن المهربين وإلا أنت ومنى؟!
وهز المهرب الآخر رأسه موافقاً على كلام صديقه!.
ركبت العائلة مرة أخرى في سيارة الـ (ستيشن), وانطلقوا باتجاه مدينة مالمو, وقبل دخول المدينة, رن جرس الهاتف النقال, خفف المهرب سرعة السيارة, وأجاب بحذر:
– أيوه؟!
واتسعت العيون ذعراً, واتجهت الآذان باتجاه الهاتف, ثم وقفت السيارة على يمين الطريق:
وتابع المهرب يقول:
– أوكي.. دورية البوليس واقفة عالطريق!!. أوكي أنا راح أفوت على أقرب طريق فرعي بين الشجر وأطفي السيارة.. ماشي الحال؟!
أغلق المهرب الهاتف.. ودخل بالسيارة في أول طريق فرعي بين الشجر, منتظراً سيارة المرسيدس.
بعد قليل.. وصل المهرب الآخر, وقال لجرجس متظاهراً الخوف والحذر:
لازم ناخذكم اثنين اثنين.. لأن الزحمة في السيارة تخلي البوليس يشك فينا!.. أو نخليكم هون ونرجع نحن إلى ألمانيا!.
– شلون تخلونا هون؟.. الدنيا برد ومعنا أولاد صغار؟!
– معناها أطلع أنت والصبي بس.. وبالمرة الجايي تطلع زوجتك وبنتك!.. أو تريدون العكس؟!
قال جرجس على الفور: لأ.. خلي تروح زوجتي مع بنتي, وأنا وأبني نستنى هون للمرة الجايي!
أجاب المهرب: أوكي.. يالله نتحرك!.. بس لازم تعرفون ولا تنسون هذه المنطقة اسمها (أرتوف, الطريق رقم 5), ورقم تلفون قرايبتكم منى معي في الدفتر.. بيجوز يلزم لا سامح الله.. ولما نرجع عليكم بدنا نطفي ونشعل ضوء السيارة ثلاث مرات حتى تتعرفون علينا.. ماراح نتأخر عليكم إن شاء الله أكثر من ربع ساعة!
وأخذ جرجس بطانيتين تحسباً من البرد, ثم انطلقت السيارة الصغيرة وتلتها الأخرى, وبعد خمسة دقائق, أعطى سائق سيارة المرسيدس, إشارة للتوجه نحو اليمن, ثم دخل في طريق فرعية أخرى بين الشجر.. وعلى مسافة مئة وخمسين متراً تقريباً توقفت السيارتان.. استغربت أم أثرى التي سألت بخوف: خير!.. أيش صار!؟
أخرج سائق الـ(ستيشن) علبة اسطوانية صغيرة من جيبه, ثم بخ رذاذها في وجه مارين التي حركت يديها وصرخت قليلاً, ثم تدلى رأسها إلى أسفل, بكت أثرى مذعورة.. قفز المهرب إليها.. فتح صديقه باب سيارة الستيشن وأمسك كلتا يديها بقوة, ليشدهما مع شعرها فوق رأسها, ثم:
يتعفر الحمام بين المخالب
وتقتحم بوابات المدن المحروسة
آلاماً من عمق الاغتصاب
يتضرج العشب حزناً
ويتموج النهم فوق المرمر
تأوهات العيون تناجي مشانق السفر
تستنجد بآلهة الانقاذ
يتناثر الجوع التاريخي ذئاباً شاردة
تقضم قمم جبال التكوين الأولى
تلثم ألوان الزهر
صهيل الجواد الجامح
يصفع جدران القرمز
نينوس
يا فارس الحلم الأبيض
سقطت قدسيتي إرهاقاً
في شرايين الطرقات
وبكى الفجر دماً
رقص الموت تحت سنابك الخيل
ها قد دنس جسد عشتار
عبرت مداخل المدن
لتنزف عنفوان البداية
على مذابح الرحيل
قرباناً لجنة الخلد
زفافاً مضرجاً بخضاب الهزيمة
مصلوباً مع حقائب السفر
على أبواب العبور
من رحيل سرمدي كدروب الغجر
في ضباب كوني
عميق
مخيف على مد البصر.

واغتصبت أثرى!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *