المشهد 29

وتمر الأيام.. ويعيش جرجس مع عائلته في بيت منى الضيق, داخل مدينة سودرتاليا / منطقة رونا, البيت الذي ازدخم بهم.. وبعد خمسة عشر يوماً ينتقلون إلى الكامب.. لعل ذلك يعجل من حصولهم على الإقامة (على حد قول منى التي ملت منهم, وتخاصمت مع زوجها عدة مرات بهذا الخصوص), ولكن أثرى كانت تذوب يوماً بعد يوم!.. ولاحظ جرجس ذلك, لكنه كان يعتقد أنها مازالت تفكر بالشاب نينوس.
وشرع جرجس يرسم مجموعة من اللوحات التشكيلية في صالة الكامب, مستوحياً أفكاره مما شاهده وقرأه في صحف المهاجرين الذين يقطنون في السويد.
وكان أحياناً يهز رأسه متاسفاً على أفكار بعض الناس, ويهمس لنفسه:
المناصب والغباء, جعلت بعض الناس قادة, وقسمت الشعب المسكين إلى عشرات الأقسام, فهذا آشوري, وذاك سرياني, والآخر كلداني, وابن عمه آرامي, وهكذا..
وصار عندنا عشرات النوادي, نادي مديات, آرام, آشور, كلدو, ما أفرام, مارسيدس, مارلبورو… وابتسم لنفسه ابتسامة مؤلمة حزينة.
توقف قليلاً.. قضب جبينه وهو يتمعن الأجواء الثلجية من خلال النوافذ.. همس لنفسه ثانية:
التخلف, بالإضافة إلى الحرية والأموال التي انهالت على هذا الشعب, انتجت بشراً من نوع آخر.. يعيشون في حالة هيجان دائم.. ويدورون في مستنقعات مغلقة مليئة بالانتقام من الفقر والجنس والعبودية التي مارسوها في تركيا او في بلدان أخرى.
وتمر الأشهر.. وبعد مزيد من الكذب والأوراق المزورة التي جلبتها منى من هنا وهناك وقدمتها للمحامي وأغلبها دون علم جرجس.. حصلت العائلة على إقامة لمدة سنتين في السويد وقابلة للتجديد..
لم يفرح جرجس كثيراً لهذه (الإقامة) بينما مارين كادت أن تقع أرضاً مغشية من الفرح! أما أثرى فلا زالت تفضل الانطواء على نفسها وكتابة المذكرات والقصائد بصمت وحزن.
وذات يوم, اقترح جرجس على زوجته أن يتم عرض أثرى على طبيب نفساني, فأجابت على الفور: لا.. لا.. مافي داعي.. البنت راح تتعدل بعد كم يوم.. ومافي شي.. هي بس تنقحر على فراق اصدقاءها وعلى هالكلب نينوس.
لكن جرجس تساءل مستغرباً: مارين؟.. انا أعتقد هالبنت في شي تحت لسانها تريد تحكيو.. مرات تجي لعندي تريد تحكي.. بعدين تروح وعيونها مدمعين!.. وأنا قلت لها مرة.. راح آخدكي للقامشلي معي بالصيف!!.. بس بدل ما تنبسط وتفرح, بكيت أكتر وهزت راسها وهربت لجوا غرفتها.. شي غريب هالتصرف يامارين؟!!.. وأريد أسألك يا مارين.. وجاوبيني بصراحة.. في شي عم تخبوه علي؟!
– لا والله يا جرجس!!.. وي.. ليش تنخبي عليك!.. البنت تفكر بالقامشلي.. وما حبت السويد وخلص.. وبعد شهر شهرين راح تتغير وتروح عالمدرسة.. وتتعرف على أصدقاء جداد, وتنحل مشكلتها!
– والله يا مارين!.. أنا كمان تعبان نفسياً.. وأحس حالي بدي أختنق!.. جو معتم.. برد.. لا أصدقاء.. لا شغل.. لا تسلية.. لا مرسم.. أحس في شي على صدري يضغط عليه من جوا!
– ما شاء الله!!.. كل العالم مبسوطين إلا أنت وبنتك المعقدة مرضانين!
– على كل حال يا مارين.. راح يدوب التلج ويبان المرج بعد كم شهر!.
همس جرجس في نفسه: هالبنت أثرى تريد تحكي شي خطير, بس ما تقدر!!.. وكل ما تقرب مني وتريد تحكي.. تتعبى عيونها دموع ويرجفوا شفافها وتهرب مني وتخبي حالها!!.. شي غريب أمر هالبنت.!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *