المشهد 31

جرجس يقتعد كرسياً في غرفة الانتظار عند الطبيب النفسي.. أثرى مع الطبيب في غرفة المعالجة النفسية.. تمر لحظات ثقيلة على جرجس.. بعدها تخرج أثرى وقد احمرت عيناها من البكاء.. استدعى الطبيب جرجس إلى غرفته, ثم قال للمترجم:
قل له, هل يعرف بأن ابنته أثرى اغتصبت أثناء قدومهم إلى السويد؟!!
عندما سمع جرجس هذا السؤال المؤلم.. صرخ دون وعي:
لاااا!.. لاااا!
وركض إلى أثرى:
صحيح أثرى صار هالشي؟!!..
بكت أثرى وأخفت رأسها في زاوية الغرفة.. صرخ جرجس مرة أخرى: لااااا!
ثم ركض إلى الشارع وهو يصرخ:
لاااا
يارب ليش هيك عملت فيني؟!
أثرى ى ى ى ى!!
نينوووووووس؟!
اغتصبوا أثرى!
يا قامشلي ي ي ي ي ي ي!!
اغتصبوا أثرى ى ى ى ى!
اغتصبوا مارين!
اغتصبوا ذاكرتي!
قتلوا أثرى ى ى ى ى!
قتلوا بطرس!…
اغتصبوا لوحاتي!!
أثرى ى ى ى !

ويركض في الطرقات.. يلطم ويرفس الجدران بعنف.. يبكي بصوت عال.. ينظر الناس إليه باستعطاف.. يهمسون:
مسكين هذا الرجل المهاجر.. مصاب بلوثة في عقله!.
ويدخل جرجس في إحدى الغابات القريبة.. ثم يركض مرة أخرى وهو يصرخ:
اغتصبوا أثرى ى ى ى ى!
ويأتيه صوت كالصدى: اغتصبوا أثرى أثرى أثرى!
نينوس حبيبي!
اغتصبوا أثرى!
اغتصبوا حبيبتك!
نينوس بدي أرجع!
يا قامشلي.. والله بدي ارجع!
ويستمر في الركض تارة, ويمشي تارة أخرى.. يصرخ مرة ويصمت أخرى.. وهو يفعل هذا حتى الآن. 
—————————————-

انتهت الرواية: مع تحيات الياس عنتر 1993

المشهد 30

جرجس يعاني من اكتئاب نفسي, وهو ممد ومسترخ على سرير خاص لدى أحد الأطباء النفسانيين في السويد.. آلة التسجيل تدور بهدوء.. المترجم قريب جداً من جرجس.. الأضواء خافتة.. قال الطبيب:
اتمنى أن يكون الحديث صادقاً.. وأنا سأحتفظ بكامل سرية الموضوع.. وسنحاول معاً حل المشكلة والتغلب عليها.. وسيكون كل شيء طبيعياً بعد ذلك.
وطلب الطبيب أن يتحدث جرجس عن مشكلته وأحاسيسه بكل هدوء.
وبدأ جرجس في الحديث بدءاً من وقت سماعه عن رغبة زوجته بالهجرة إلى السويد, وكان الطبيب يكتب بعض الجمل بخط أحمر, مثل:
أنا لم أرغب في الهجرة أبداً لكني أرغمت على ذلك.. أحس بالاختناق ليلاً.. روحي تخرج من جسدي كل يوم.. أغيب عن الوعي لمدة خمس ثوان تقريباً.. لماذا أثرى لا تستطيع أن تتحدث معي في مشكلتها؟.. الجو هنا معتم وخانق.. أشعر بأني مواطن من الدرجة الثالثة في السويد.. الناس هنا يجمعون المال فقط.. تحولوا إلى مكائن وآلات دون مشاعر.. يتقاتلون من أجل كرونة واحدة.. لوحاتي الجديدة مليئة بالسوداوية.. ابني بطرس كان يبكي البارحة لأن التلاميذ قالوا له شعرك أسود أو (سفارت كالي).
واستطرد جرجس بعد وقفة قصيرة:
أنا شخصياً ما كنت أعتقد في يوم من الأيام أتمدد على سرير مثل هذا وأتعالج من حالات نفسية.. لو سمع أصدقائي في القامشلي عن وضعي… ماذا سيقولون؟!
توقف لحظة أخرى.. تنفس بعمق.. ثم تابع:
هذا العالم أو هذه الكرة الارضية هي لكل الناس.. وليست لمجموعة من الناس.. أنا أحسب حالي مثل طائر أو شجرة فيها.. والعالم كله هو وطني وأرضي وبلادي.. والناس كلهم مثل بعضهم.. أنا أؤمن بأفكاري.. وحياتنا هي مشوار قصير في هذه الدنيا..

المشهد 29

وتمر الأيام.. ويعيش جرجس مع عائلته في بيت منى الضيق, داخل مدينة سودرتاليا / منطقة رونا, البيت الذي ازدخم بهم.. وبعد خمسة عشر يوماً ينتقلون إلى الكامب.. لعل ذلك يعجل من حصولهم على الإقامة (على حد قول منى التي ملت منهم, وتخاصمت مع زوجها عدة مرات بهذا الخصوص), ولكن أثرى كانت تذوب يوماً بعد يوم!.. ولاحظ جرجس ذلك, لكنه كان يعتقد أنها مازالت تفكر بالشاب نينوس.
وشرع جرجس يرسم مجموعة من اللوحات التشكيلية في صالة الكامب, مستوحياً أفكاره مما شاهده وقرأه في صحف المهاجرين الذين يقطنون في السويد.
وكان أحياناً يهز رأسه متاسفاً على أفكار بعض الناس, ويهمس لنفسه:
المناصب والغباء, جعلت بعض الناس قادة, وقسمت الشعب المسكين إلى عشرات الأقسام, فهذا آشوري, وذاك سرياني, والآخر كلداني, وابن عمه آرامي, وهكذا..
وصار عندنا عشرات النوادي, نادي مديات, آرام, آشور, كلدو, ما أفرام, مارسيدس, مارلبورو… وابتسم لنفسه ابتسامة مؤلمة حزينة.
توقف قليلاً.. قضب جبينه وهو يتمعن الأجواء الثلجية من خلال النوافذ.. همس لنفسه ثانية:
التخلف, بالإضافة إلى الحرية والأموال التي انهالت على هذا الشعب, انتجت بشراً من نوع آخر.. يعيشون في حالة هيجان دائم.. ويدورون في مستنقعات مغلقة مليئة بالانتقام من الفقر والجنس والعبودية التي مارسوها في تركيا او في بلدان أخرى.
وتمر الأشهر.. وبعد مزيد من الكذب والأوراق المزورة التي جلبتها منى من هنا وهناك وقدمتها للمحامي وأغلبها دون علم جرجس.. حصلت العائلة على إقامة لمدة سنتين في السويد وقابلة للتجديد..
لم يفرح جرجس كثيراً لهذه (الإقامة) بينما مارين كادت أن تقع أرضاً مغشية من الفرح! أما أثرى فلا زالت تفضل الانطواء على نفسها وكتابة المذكرات والقصائد بصمت وحزن.
وذات يوم, اقترح جرجس على زوجته أن يتم عرض أثرى على طبيب نفساني, فأجابت على الفور: لا.. لا.. مافي داعي.. البنت راح تتعدل بعد كم يوم.. ومافي شي.. هي بس تنقحر على فراق اصدقاءها وعلى هالكلب نينوس.
لكن جرجس تساءل مستغرباً: مارين؟.. انا أعتقد هالبنت في شي تحت لسانها تريد تحكيو.. مرات تجي لعندي تريد تحكي.. بعدين تروح وعيونها مدمعين!.. وأنا قلت لها مرة.. راح آخدكي للقامشلي معي بالصيف!!.. بس بدل ما تنبسط وتفرح, بكيت أكتر وهزت راسها وهربت لجوا غرفتها.. شي غريب هالتصرف يامارين؟!!.. وأريد أسألك يا مارين.. وجاوبيني بصراحة.. في شي عم تخبوه علي؟!
– لا والله يا جرجس!!.. وي.. ليش تنخبي عليك!.. البنت تفكر بالقامشلي.. وما حبت السويد وخلص.. وبعد شهر شهرين راح تتغير وتروح عالمدرسة.. وتتعرف على أصدقاء جداد, وتنحل مشكلتها!
– والله يا مارين!.. أنا كمان تعبان نفسياً.. وأحس حالي بدي أختنق!.. جو معتم.. برد.. لا أصدقاء.. لا شغل.. لا تسلية.. لا مرسم.. أحس في شي على صدري يضغط عليه من جوا!
– ما شاء الله!!.. كل العالم مبسوطين إلا أنت وبنتك المعقدة مرضانين!
– على كل حال يا مارين.. راح يدوب التلج ويبان المرج بعد كم شهر!.
همس جرجس في نفسه: هالبنت أثرى تريد تحكي شي خطير, بس ما تقدر!!.. وكل ما تقرب مني وتريد تحكي.. تتعبى عيونها دموع ويرجفوا شفافها وتهرب مني وتخبي حالها!!.. شي غريب أمر هالبنت.!!

المشهد 28

أخرج أحد المهربين علبة الرذاذ المخدر مرة أخرى, وبخ وجه أثرى وأمها, ثم انطلقت السيارتان باتجاه محطة قطارات مالمو.
أثناء دخولهم إلى محطة مالمو, اقترب رجل مغترب ذو ملامح شرقية من السيارتين, وقام بتعريف نفسه بأنه صديق للعائلة.
قال له أحد المهربين متظاهراً بالخوف والحذر:
الله سترنا يا رجل.. فتشونا البوليس.. بس مشي الحال.. لكن غط على قلب النسوان.. بس الرجال وابنو خليناهم هون قراب على بعد عشر دقائق.. طريق رقم 5 واسم المنطقة أرتوف.. 
– أوكي.. أعرف الطريق والمنطقة كمان.. أنا راح أجيبهم.. بس أقعد النسوان في المحطة.
– أي.. بس لازم تدخل حوالي 150 متر جوى الطريق.. وتطفي وتشعل الضو 3 مرات, ونحن لازم نمشي ونغير طريقنا.. لانو البوليس راح يمسكنا هالمرة ويحقق معانا.
وانطلق المهربان بسيارتيهما, بينما مارين تسب وتلعن بصوت هامس وأثرى في حالة شديدة من الإعياء.
أدخلهما الرجل إلى صالة الانتظار.. أجلسهما على مقعد خشبي ثم قال لهما: أنا رايح أجيب جرجس وبطرس وأنتو لا تتحركوا من هون.
التفتت مارين باكية إلى ابنتها.. قالت لها:
حبيبتي أثرى.. لا تقولي لبابا على أي شي.. والله بدو يسويلنا مشكلة!.. وبدو يشتكي للشرطة, ويعمل فضيحة!.. وبعدين راح يرجعونا لسوريا, وتعبنا كلو تيروح عالفاضي!.. واللي صار صار يا بنتي.
أجهشت أثرى بالبكاء, ثم قالت: أنت السبب يا ماما.. أنت السبب!
– أثري حياتي.. قربان عينكي.. لا تبكي.. قومي اغسلي وجهكي.. وكل شي راح يتصلح!.. الخالة منى راح تجي معنا عالدكتور!.. وراح يتصلح كل شي.. وما حدا راح يحس أبداً أبداً.
– أنت السبب يا ماما.. أنت السبب (وتبكي أثرى بحرقة).. آخ بابا.. آخ نينوس.. قتلوني.. اغتصبوني بالزور!
وتبكي الأم, ثم تضع رأس ابنتها على صدرها:
– دخيلك أثرى!.. دخيل عيونك.. خلاص.. قربا هالوجه الحلو.. استري علينا. لا تحكي هيك حكي.

المشهد 27

يتشاور المهربان على بعد عشرة أمتار من العائلة, وقد لا حظ جرجس وكأن مشكلة ما قد حصلت بينهما.
وظن أنهما يتحدثان عن صعوبة توصيلهم إلى مدينة (مالمو) وخوفهما من البوليس بعد أن قبضا المبلغ, وأنهيا المهمة.
اقترب أحد المهربين من جرجس, وقال له:
– شوف يا أبو الشباب.. جايز نتعرض لدورية بوليس وجايز لأ.. وفي هالحالة لازم نتخبأ بين الشجر, وننتظر كم دقيقة, وبعدين نكمل طريقنا!.
استغرب جرجس لهذا الأمر, وقال:
على أساس داخل السويد ما في تفتيش!!.. هيك قالت منى!.
أجابه المهرب متسائلاً: نحن المهربين وإلا أنت ومنى؟!
وهز المهرب الآخر رأسه موافقاً على كلام صديقه!.
ركبت العائلة مرة أخرى في سيارة الـ (ستيشن), وانطلقوا باتجاه مدينة مالمو, وقبل دخول المدينة, رن جرس الهاتف النقال, خفف المهرب سرعة السيارة, وأجاب بحذر:
– أيوه؟!
واتسعت العيون ذعراً, واتجهت الآذان باتجاه الهاتف, ثم وقفت السيارة على يمين الطريق:
وتابع المهرب يقول:
– أوكي.. دورية البوليس واقفة عالطريق!!. أوكي أنا راح أفوت على أقرب طريق فرعي بين الشجر وأطفي السيارة.. ماشي الحال؟!
أغلق المهرب الهاتف.. ودخل بالسيارة في أول طريق فرعي بين الشجر, منتظراً سيارة المرسيدس.
بعد قليل.. وصل المهرب الآخر, وقال لجرجس متظاهراً الخوف والحذر:
لازم ناخذكم اثنين اثنين.. لأن الزحمة في السيارة تخلي البوليس يشك فينا!.. أو نخليكم هون ونرجع نحن إلى ألمانيا!.
– شلون تخلونا هون؟.. الدنيا برد ومعنا أولاد صغار؟!
– معناها أطلع أنت والصبي بس.. وبالمرة الجايي تطلع زوجتك وبنتك!.. أو تريدون العكس؟!
قال جرجس على الفور: لأ.. خلي تروح زوجتي مع بنتي, وأنا وأبني نستنى هون للمرة الجايي!
أجاب المهرب: أوكي.. يالله نتحرك!.. بس لازم تعرفون ولا تنسون هذه المنطقة اسمها (أرتوف, الطريق رقم 5), ورقم تلفون قرايبتكم منى معي في الدفتر.. بيجوز يلزم لا سامح الله.. ولما نرجع عليكم بدنا نطفي ونشعل ضوء السيارة ثلاث مرات حتى تتعرفون علينا.. ماراح نتأخر عليكم إن شاء الله أكثر من ربع ساعة!
وأخذ جرجس بطانيتين تحسباً من البرد, ثم انطلقت السيارة الصغيرة وتلتها الأخرى, وبعد خمسة دقائق, أعطى سائق سيارة المرسيدس, إشارة للتوجه نحو اليمن, ثم دخل في طريق فرعية أخرى بين الشجر.. وعلى مسافة مئة وخمسين متراً تقريباً توقفت السيارتان.. استغربت أم أثرى التي سألت بخوف: خير!.. أيش صار!؟
أخرج سائق الـ(ستيشن) علبة اسطوانية صغيرة من جيبه, ثم بخ رذاذها في وجه مارين التي حركت يديها وصرخت قليلاً, ثم تدلى رأسها إلى أسفل, بكت أثرى مذعورة.. قفز المهرب إليها.. فتح صديقه باب سيارة الستيشن وأمسك كلتا يديها بقوة, ليشدهما مع شعرها فوق رأسها, ثم:
يتعفر الحمام بين المخالب
وتقتحم بوابات المدن المحروسة
آلاماً من عمق الاغتصاب
يتضرج العشب حزناً
ويتموج النهم فوق المرمر
تأوهات العيون تناجي مشانق السفر
تستنجد بآلهة الانقاذ
يتناثر الجوع التاريخي ذئاباً شاردة
تقضم قمم جبال التكوين الأولى
تلثم ألوان الزهر
صهيل الجواد الجامح
يصفع جدران القرمز
نينوس
يا فارس الحلم الأبيض
سقطت قدسيتي إرهاقاً
في شرايين الطرقات
وبكى الفجر دماً
رقص الموت تحت سنابك الخيل
ها قد دنس جسد عشتار
عبرت مداخل المدن
لتنزف عنفوان البداية
على مذابح الرحيل
قرباناً لجنة الخلد
زفافاً مضرجاً بخضاب الهزيمة
مصلوباً مع حقائب السفر
على أبواب العبور
من رحيل سرمدي كدروب الغجر
في ضباب كوني
عميق
مخيف على مد البصر.

واغتصبت أثرى!!!

المشهد 26

اجتازت العائلة نقطة التفتيش الأولى (بوت كورن) في ألمانيا بدون أية مشاكل, ثم دخلوا الدنمارك واجتازوا نقاط التفتيش الأخرى بسلام وتكتيك حسب نصائح المهربين وباسبورتاتهم المزورة ووصلوا إلى منطقة (هلسن بوري) حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وقد أعياهم التعب والإرهاق الشديدين.
شاهد جرجس لوحة كبيرة في بداية حدود منطقة (هلسن بوري) تشير باللغتين الانكليزية والسويدية إلى المنطقة وترحب بالزوار, لهذا اتصل مع منى التي أمرت بتسليم المبلغ إلى المهربين, وطلبت أن تتحدث مع أحدهم, لينقلهم إلى محطة قطارات (مالمو) التي تبعد قرابة الساعة فقط من مكان تواجدهم, كي يلتقوا بأحد أصدقاء زوجها الذي سينتظرهم هناك بعد نصف ساعة!
أخرجت مارين المبلغ المتبقي من بين الألبسة الداخلية للطفل بطرس, الذي تباهى بمقدرته على تحمل هذه المسؤولية قائلاً:
– ماما أنا بطل.. مو ماما؟! 

المشهد 25

تحدث أبو عادل مع جرجس على انفراد:
– اسمعني زين!.. انتم راح تطلعون بسيارة استيشن مع هالشب!.. وهالسيارة المرسيدس راح تمشي قدامكم بكم كيلو متر وما فيها غير السائق!.. وكل سيارة فيها أكثر من تلفون.. يعني راح يتصلون مع بعضهم إذا لا سامح الله صار شي!.. وأنا راح أظل قاعد هون في ألمانيا.. ولما توصلون عالسويد!.. منطقة اسمها.. والله نسيت اسمها.. بعقلي اسمها (هلسن بوري) راح تتصل مع قريبتك حتى تدفع الـ 10 آلاف دولار الباقية.. زين؟!
– زين!
ويجوز توصلون عالسويد بعد نص الليل!.. يعني ان شاء الله راح توصلون بعد سبع أو ثمان ساعات تقريباً.. وشدوا حيلكم!. واسمعوا كلام الشباب!
توجه أبو عادل إلى أحد أصدقائه المهربين وتحدثا بعض الوقت.. ثم ودع جرجس أبو يوسف وابنه مالك, وكان الوداع بارداً هذه المرة بسبب الفشل والفوز بأثرى خطيبة لمالك.. بعدئذ صعد جرجس مع عائلته إلى سيارة الستيشن, وانطلقت السيارتان باتجاه السويد. 

المشهد 24

وصلت العائلة إلى المكان المحدد قبل ربع ساعة.. ترجل جرجس, وتبعته مارين, فبطرس, فالعم يوسف, بينما بقيت أثرى والسائق مالك (ابن العم أبو يوسف) في السيارة.
التفت مالك إلى أثرى.. ابتسم لها قليلاً.. قال:
– شو أثرى؟ّ.. بدكي تروحي عالسويد؟!
فوجئت أثرى بالسؤال.. عدلت من جلستها!.. ابتسمت.. قالت:
– طبعاً.. هيك المقرر والمخطط!
– ما تريدي تبقي في ألمانيا؟!.. ترى ألمانيا أطيب من السويد!.. كل شي هون أرخص والمصاري أكتر.. والجو دافي وأحلى!..
– أنا ما أقدر أقرر!.. القرار لماما وبابا!
– ابتسم مالك ابتسامة مجاملة.. قال: وإذا خطبناكي لواحد من ألمانيا؟!
فوجئت أثرى للمرة الثانية, وكأنها اصتدمت بشيء ما: لا.. لا.. أبداً!
– ليش يا أثرى؟!.. هون البنات بيتمنوا ينخطبوا ويتزوجوا!.
– لكن!.. لكن أنا ما أريد أتزوج!
– في بنت بالعالم ما تريد تتزوج يا أثرى؟!
– لا.. فهمتني غلط!.. أقصد هلا بكير علي.. وبعدين أريد أرجع للقامشلي.. أنا ما أحب بلاد برى!.
– شو هالحكي؟!.. معناها بتحبي واحد من القامشلي؟!
احمرت وجنتا أثرى خجلاً, ثم قالت:
– كل صديقاتي وكل ذكرياتي وطفولتي بالقامشلي.. وأريد أكمل الجامعة هونيك.. من هيك!
– يعني مافي حدا بتحبيه؟!.. إذا مافي حدا, فأنا قلت لبابا ليقول لأبوكي بلكي نخطبكي, وبيجوز هلا قالو كمان!
صمتت إثرى هنيهة.. ثم قالت:
– أعتقد بابا واعي!.. وما راح يتسرع بهيك مسألة وقرار!
– لكن والله يا أثرى أول ما شفتوكي.. دق قلبي كتير.. وقلت ها هي اللي أدور عليها.. وهاي لازم تصير خطيبتي!
– لا.. لا.. أرجوك مالك.. أنا.. أنا.. (والتفتت نحو أبيها ثم قالت):
– هه.. أجى أبو عادل.. معناها راح نمشي.. أنا آسفة كتير يا مالك.. ولا تفكر بهالموضوع أبداً أبداً! 

المشهد 23

بعد يومين, انتقل جرجس مع عائلته إلى بيت العم يوسف ليحل عليهم ضيفاً ولمدة قصيرة, قبل أن يتم تهريبهم إلى السويد, وفي ذلك البيت كان الناس يتوافدون لزيارتهم.. وكان جرجس متعباً ومرهقاً من أحاديث بعضهم وأساليبهم في معاملة الآخرين!.
مارين سعيدة جداً.. وكأنها هبطت في كوكب جديد!.. بطرس يلعب فرحاً في الساحات العامة وكأنه في مدينة للملاهي.. أثرى تبقى في حالة شرود واستغراب دائمين تنظر بصمت إلى الناس وتقارن بين عالمين مختلفين.. أما جرجس فيراقب كل الأشياء بمنظار الفنان, وبين الفينة والأخرى يهمس لنفسه بحسرة وألم:
إذا كانت السويد متل ألمانيا.. حكي وكر.. قال وقيل.. عشائر وكهنة.. وبيتزات ومطاعم.. أكلنا خازوق.
وخطر له أن يرسم هرماً من البشر يسقط من علو شاهق ليجلس على وتد يشبه خازوقاً.. 
ابتسم لنفسه.. نظرت إليه زوجته ثم قالت فرحة: أشوفك مبسوط يا جرجس؟!
وبعد ثلاثة أيام اتصل أبو عادل بجرجس وطلب منه أن يجهز العائلة ويستعدوا للسفر إلى السويد غداً, ويجب جلب كمية من الطعام تكفي ليومين على الأقل تحسباً لأي ضياع في غابات السويد!
استغرب يوسف وقال: يا أبو عادل.. أنت قلت راح ننطلق في يوم عاصف ومثلج!؟
أجاب أبو عادل: في هالفترة من السنة يا أخوي صعب يكون الجو عاصف ومثلج!.
– وإذا مسكنا البوليس يا أبو عادل؟!
– يابا هذي شغلتنا!.. نحن راح نهربكم يوم السبت بالليل, لأن أغلب السويديين يجون للديسكو عالدانمارك, لأنه أرخص من عندهم, ويرجعون سكرانين.. وتضيع الطاسة في الباخرة بنص الليل.. يعني حيصي بيصي!.. وبعدين آني مهرب ومسؤول عنكم.. ما آخذ فلس منكم إلا لما أنت تحكي مع هذي قريبتك في السويد.. زين؟!
– زين.. زين!
– بكرى العصر.. الساعة خمسة.. تكونون في محطة فرانكفورت.. قريبين من الباب الرئيسي!.. ومع السلامة.

المشهد 22

المهرب أبو عادل يشرب الويسكي في بيت صديقه الذي يعمل مهرباً هو الآخر بين ألمانيا والدول المجاورة, وقد أصبحا على حافة السكر!.. وبين الفينة والفينة يهمس أبو عادل لصديقه: أي والله معهم بنت.. متل القمر يا أبو سمرة.. أنا بحياتي ما شفت متلها!.. العمى.. والله تقول قمر خالص!
ويقول الصديق بتثاقل وهو شبه مخمور: أبو عادل!.. قلنالك الأم من حصتك.. والبنت من حصتي.. أنا بعدي صغير ومطلق!
يقهقه أبو عادل, ويكاد يقع أرضاً, ثم يقول: والزلمة اللي معاهم نخليه في السيارة حارس ليلي!
ثم يضيف: بس والله يا أبو سمرة.. أم البنت عليها سيقان متل المرمر.. آخ من النسوان يا أبو سمرة آخ!