المشهد 21

بعد ساعة تقريباً, وصلت سيارة تحمل خمسة أشخاص من بيت العم يوسف, وتم الترحيب الحار بجرجس وعائلته, وسالت بعض الدموع, وبكي البعض من الفرح!!
جلس الجميع في تلك الغرفة الصغيرة.. أكلوا الحلويات الشرقية وشربوا القهوة, ثم ضحك الشاب مالك فجأة, وبصوت عال وهو يقول ساخراً:
أي والله وصرت آزول يا أستاذ جرجس!
نظر جرجس حوله مستغرباً.. ابتسم بألم .. أحس كأن سيفاً من النار اخترق قلبه.. نظرت مارين إلى مالك نظرة عتاب!.. ثم غمزت له بعينها ما معناه: كف عن هذا!
صمت الجميع لحظة.. ثم قالت مارين: أي عمو يوسف, اتصلتن مع منى في السويد؟!
وبدأ اللغط والهرج مرة أخرى حتى الساعة الثالثة صباحاً, ثم رحل الزوار بينما نام الجميع مرهقين, متعبين, حتى ساعة متأخرة من صباح اليوم التالي. 

المشهد 20

قال المترجم التونسي موجهاً حديثه إلى جرجس وزوجته: هذه الغرفة التي أنتم فيها.. هي غرفة مؤقتة.. وبعد يومين أو ثلاثة.. ولما تخلصون من التحاليل الطبية وبعض الأوراق اللازمة.. تتوجهون الى كامب آخر.. واذا يوجد اهل واصحاب لكم هنا.. في المانيا يمكن ان تذهبوا الى عندهم.. شرط ان تكونوا على اتصال دائم مع الكامب او تتركوا عنوانكم عندهم.. اوكي؟
أجاب جرجس: أوكي.. أوكي.. لكن أريد أتصل هالوقت بالهاتف مع أقربائي هو في ألمانيا.
أخرج المترجم التونسي بعض القطع النقدية الألمانية من جيبه وناولها لجرجس قائلاً: يمكن أن تتصل الآن.. والهاتف هناك عند الضوء الأصفر.
وخرج المترجم ومسؤول الكامب من عندهم, بينما كانت العائلة تنظر إلى الغرفة الصغيرة.. فالفرش جديد ونظيف.. كل الأدوات الموجودة جديدة.. ابتسمت منى وقالت لجرجس:
شوف البضاعة والنظافة!.
نظر جرجس بطرف عينه إلى زوجته, وكأنه أراد أن يقول: هل هذا هو كل شيء؟!
قالت مارين: أمشي أمشي.. تنروح نفتح تلفون لبيت عمي يوسف قبل ما ينامو!
ثم خرجت من الباب, بينما توجه جرجس نحو أثرى قائلاً: شوفي بنتي!.. هون معبى حشاشين وسكرانين.. لا تفتحي الباب لكل واحد.. ونحن ماراح نتأخر.. تنعمل تلفون ونرجع!
وعند الهاتف, حاول جرجس أن يتصل مع بيت العم يوسف, إلا أنه وجد صعوبة في بادئ الأمر, ولكن بعد أن حذف بعض الأصفار, استطاع أن يجري الاتصال معهم, واجتمعت العائلة كلها على الطرف الآخر من الهاتف فرحين:
الحمدلله على السلامة!.. صارلنا أربع ساعات نستنى منكن تلفون.. بعد ساعة راح نكون عندكن إنشاء الله.. بس اعطونا رقم البناية والغرفة.. عرفنا والله راح يحطوكن الليلة في الكامب المؤقت! 

المشهد 19

تحلق الطائرة على ارتفاع 11 ألف قدم.. تغط مارين في النوم.. أثرى تحلم بنينوس.. وبطرس ينظر فرحاً من خلال النوافذ.. بينما يعيش جرجس حالة قلق غريبة, كما يحس بآلام في رأسه وعينيه, ويوعز سبب ذلك إلى قلة النوم خلال اليومين الماضيين.
بعد لحظات.. أعلن قائد الطائرة بأنهم سيهبطون قريباً في مطار فرانكفورت الألماني, لذا يرجى شد أحزمة الأمان.
استيقظ الجميع من النوم.. بدأ قلب جرجس بالخفقان وهو يردد كلمة (آزول.. آزول) ثم يصدر حسرة من القلب, قائلاً:
أيه يا دنيا!.. آزول.. الاستاذ جرجس أفرام, الحاصل على جوائز فنية كبيرة يتحول إلى آزول!!.. أبو أثرى وبطرس يتحول بين ليلة وضحاها إلى آزول.. آزوو…وول!.
نظرت مارين غاضبة إلى زوجها الذي كانت يتمتم لنفسه كلمة آزول, لكنها لم تجرؤ على قول أي شيء.. اقتربت المضيفة لتتأكد من أحزمة الجميع.. وبعد هنيهة انخفض رأس الطائرة نحو الأسفل وسط صمت وحذر الجميع.. وعندما ارتطمت العجلات مع اسفلت المطار, صفق الجميع وصاح بعضهم (برافووو) فاستغرب بطرس وسأل أباه:
بابا.. ليش صفقوا كلياتن؟!
– لأن نزلة الطيارة صعبة كتير.. وقدر الطيار الشاطر ينزلها بلا مشاكل!
– بابا.. أنا بدي أسير طيار!
– إن شاء الله بابا إنشاء الله.
بدأ الركاب في النزول.. نظر جرجس خلفه.. لمح صلعة أبو عادل رغم قصر قامته.. وفي نهاية أحد ممرات المطار, شاهد جرجس فتاة طويلة ومفتولة العضلات, ترتدي لباس البوليس, وهي تنظر إلى جوازات سفر الركاب, وعندما اقترب جرجس منها, طلبت منه جواز السفر.. هز جرجس رأسه بما معناه (لا يوجد معي جواز سفر) ثم قال لها: آزول.. آزول.
أشرت له بأن يتوجه إلى زميلها الشرطي الآخر الذي ينتظر هناك عند أحد الأبواب.
خرج أبو عادل فرحاً من باب الخروج, ثم اتصل هاتفياً بـ منى قائلاً أن الأمانة وصلت بسلام وبدون أية مشاكل تذكر!. 

المشهد 18

جرجس وزوجته والطفل بطرس ينتظرون في صالة الفندق, بعد أن طلبوا رقم هاتف منى في السويد للاتصال بها, بينما ظلت أثرى في الغرفة تقلب بين مذكراتها وأوراقها, ثم أخرجت قصيدة نينوس الأخيرة لتقرأها مرة أخرى.
تذكرت عندما ضغطت على يده في المطار, وكيف سرت قشعريرة الحب في جسدها, ثم قرأت: وترحلين من قلب الولادة
أيتها الموشومة في ذاكرتي
حباً ونيساناً
وردة بيضاء في بقعة ضوء
همسة روح من إله المحبة
ابتسامة شرق يعانق أزقة بلدي
يركع خاشعاً لحبنا
أنا وأنت.

أثرى
أناديك بصوت جريح راحل
وأهمس حروف اسمك المقدس
في خطواتي وأحلامي
أقرأ لك قصائد معتقلة
وحروفي تموت على مشانق رثة
وعبودية عفنة
وأجنحة متكسرة
لحمامة بيضاء عانقت سمائي.
قبلتك مرة في توحد الله
لكن
عانقتك آلافاً في عالم أشعاري
غزلت منك أغان سرمدية
رسمت إشراقة وجهك في دفاتر الهوى
تنفست روحك لأعبر شرايين أخرى
وأغيب ثملاً في بزوغ الضوء
لأنتشي برعماً في كوكب آخر
بنفسجاً في أرض العشق
روحاً لا تذوب في الأزل.
أحبك أثرى
وأشعة روحي تخترق الكون
لتلتحم مع روحك أينما كنت
في ساعات الفجر
في الصبح
في كل الأوقات.

أغمضت أثرى عينيها, ثم استلقت على ظهرها فوق أحد الأسرة وذهبت في خيالها إلى القامشلي.. إلى نينوس.. إلى هاروت.. ليلى.. شارع العشاق.. وباتت تمتص الذكريات اللذيذة, وتلثم الميدالية التي تحوي صورة نينوس في داخلها.. وفجأة تدخل أمها, وتشاهد أثرى في هذه الحالة, فتقول:أيش في بيدكي؟!.. هاتي تأشوف!
ارتبكت أثرى!.. وحاولت أن تخفي كل شيء!.. إلا أن الأم مدت يدها بسرعة إلى الميدالية وفتحتها لتشاهد صورة نينوس في داخلها!!.
– والله حلو!.. وشلون اعطاكي كل هالشغلات؟!!.. وايمتى يا بنت الكلب؟!
لم تجب أثرى, إنما سحبت الميدالية من يد أمها, ثم جمعت أوراقها.. بينما تابعت مارين قولها:
– أنا ما شفت بنت بعمر هالمقصوفة وتعمل هيك حركات!.. العمى!.. والله مافي غير أنهم سحروكي عند شي حدا.. بالفعل جيل هالزمان نزل من أنف الشيطان!.. بس قوليلي.. شلون راح تتزوجيه وأنتي بهالعمر؟!.. بعدين مين راح يوافق على هيك شي تافه!.. وأنتي تعرفي كويس أنه اللي صار بينك وبين هداك المراهق, ما هو إلا شغلة عجيان صغار.. ولا تحلمي أبداً تتزوجي في سورية!.. وراح تاخدي من أهلك في السويد, وتسكري بوزكي وتاكلي هوا.. سمعتي؟!.
يدخل جرجس.. يستغرب لما سمعه من كلمات.. قال: شو صار كمان؟!
أجابت زوجته: بنتك الفصعونة.. بتاخد ميداليات وصور هذاك المراهق معها للسويد!.. والله راح تسويلنا فضايح هونيك!.. هالحقيرة!.
تدخل جرجس غاضباً:
اخرسي مارين!.. ألف مرة قلتولكي ما يصير تتعرضي لأثرى.. ولا تخليني أسوي مشكلة بهالفندق!.. العمى يضرب عيونك!.. قلنالكي البنت صغيرة!.. وقلنالكي هيك ماراح تنحل المشكلة!.. وكل ما تشدي الحبل معها راح تشد هي أكتر!.. بس أنتي ما تفهمي إلا على كيفكي!.. العمى في عيونكي!
– أساساً كل المشكلة من ورا راسك!.. قال صغيرة قال!.. شوفها صارت مرا كاملة!.. بعمرها كانوا يتزوجوا ويجيبوا دزينة أولاد!.. والله لو كنت تخليني أتصرف معها متل الخلق والعالم.. كنتو تأخلي تصير متل الخاتم بيدي.. حقيرة!
– يهجم جرجس على زوجته.. ويلف أصابعه حول رقبتها قائلاً بغضب:
شوفي بدي أخليكي تموت هون قبل ما تصلي عالسويد.. إذا تاني مرة قلتي حقيرة.. فهمتي!
يبكي بطرس وهو يصرخ: لا.. بابا لااااااااااا!
يتركها جرجس فجأة وكأنه لطم على خده من كف بطرس الصغير!.. يهدئ من نفسه.. بعدئذ يداعب شعر طفله ليبعث الطمأنينة في نفسه, معتذراً عن تصرفاته.. قائلاً:
معليش حبيبي بطرس!.. مرات ماما بتصير متل المجانين!.. لازمها فركة أنف ورقبة!.. ما كان بدي أموتها.. لا تخاف حبيبي!.. مرة نتقاتل ومرة نتصالح.. كل الناس هيك تسوي يا ابني!
وكأن جرجس كان يريد أن تسمع أثرى أيضاً هذا الكلام حتى لا تشعر بتأنيب الضمير.
يقرع الباب.. يدخل أبو عادل.. ويتم الإتفاق على موعد الاستيقاظ وكيفية الوصول إلى المطار صباحاً, وبعض الأمور الأخرى, ثم يستلم الدولارات المتفق عليها حسب الهاتف الذي جرى مع منى قبل قليل. 

المشهد 17

اتصل أبو عادل مع صديقه في ألمانيا: طبلت منهم 3 آلاف دولار.. دفعة عالحساب.. وراح أكون وإياهم في الطيارة, وأنت لازم تنتظرني بالمطار وقت وصول الطيارة.. وانتبه لا تكون مراقب من الشرطة!.. أوكي؟!

– أوكي أوكي!..

– وبعدين؟!

– سلامتك.. بس اعطيني بالك (ينظر أبو عالدل حوله, ثم يخفض صوته): معاهم بنت مثل القمر.. تجنن.. تقول نجلاء فتحي بالتمام والكمال.. لا والله وأحلى من نجلاء فتحي.. هذه من حصتك!.. وأنا تكفيني أمها! ويقهقه الاثنان على الهاتف!..

المشهد 16


في الساعة الثامنة والربع تقريباً, قرع أبو عادل الباب على العائلة.. ثم اندلف داخلاً واقتعد الكرسي الوحيد, بينما جلس جرجس على حافة السرير مواجهاً له وجلست مارين بجانب زوجها, وكانت أثرى قرب النافذة تقلب بين صفحات بعض الدفاتر المدرسية التي جلبتها معها.
قال أبو عادل بصوت منخفض: يا أخوان.. طيارتكم راح تطير على ألمانيا بكرى الصبح.. أوكي؟!
– أوكي!.
– وأنا راح أكون معاكم في الطيارة.. بس ما يصير أبدا تحكون معاي أو تطلعون فيني.. ولازم تطلعون من الطيارة قبلي وتسلمون حالكم للبوليس اللي يوقف عند المدخل.. وتقولون آزول (آزول يعني مهاجر) وانتو من العراق مو من سوريا!. أوكي؟!
استغرب جرجس من كلمة (آزول من العراق) فقاطعه مستفسراً:
شلون آزول من العراق ونحن من سورية؟!
– يا أخي.. قول متل ما أقلك وبس!.. لا تناقشني!.. أنا المسؤول عنك وعن عائلتك!.. إذا قلت من سورية راح يرجعونك من المطار بوجهك على سورية!!
تدخلت مارين: مزبوط يحكي الزلمة!.. ليش أنت تعرف أحسن منو؟!
تشجع أبو عادل وهو ينظر ألى مارين نظرة سريعة خاطفة ثم أشعل سيكارة ونفث دخانها سعيداً في الهواء!.. بعدئذ أضاف:
وعند البوليس.. تقولون نحن من بغداد ونحن ضد صدام.. وهربنا من الجيش وحاولوا تبينون صادقين بكذباتكم!!.. أوكي؟!
– أوكي.. أوكي!
– وانا أفظل تقعدون هالليلة وتخططون شو راح تقولون.. يعني شكل بيتكم في العراق.. والشارع.. وقرايبينكم.. وإن شاء الله كلها خير.. أنا مهرب كثير ناس على ألمانيا وعلى السويد وما حد منهم رجع.. لا تخافون حتى إذا خربطتم ما راح أخليكم ترجعون!
– بس يا أبو عادل نحن ما نعرف شي عن بغداد ولا اللهجة العراقية وأكيد راح نخربط!
– يا أخي لا تخاف!.. لحد ما يدققون بأوراقكم.. أنا بيكون سفرتكم على أهلكم في السويد!
اطمأن جرجس لهذه الإجابة, فسأل: وكم يوم راح نبقى في ألمانيا؟!
قلب أبو عادل شفتيه ونظر قليلاً إلى ما يظهر من ساقي مارين ثم أشعل سيكارة أخرى وقال:
كثر كثر.. أسبوع واحد.. وياريت يكون الجو بارد أو ثلج.. حتى لا يكون البوليس برى!.. ولما توصلون بالسلامة عالسويد راح تدفعون الدولارات الباقية.. وانا هلا أريد منكم 3000 دولار عالحساب!
– بس أخت مدامتي قالت.. ما ندفعلك شي إلا بعد ما توصلنا عالسويد!- مافي هيك حكي!.. بعد كم ساعة أريد 3 آلاف دولار.. والباقي بالسويد.. ونحن زلم نحكي!.. مو عيال صغار!.
– معناها راح نحكي مع منى في السويد.. ونشوف شو بدها تقول!
– أحكي على كيفك.. بس أنا أريد المبلغ اليوم.. يعني بعد 3 ساعات تقريباً.. أوكي؟! 

المشهد 15

سافرت العائلة من دمشق إلى الأردن عبر القطار, ثم استقلت سيارة تاكسي باتجاه فندق البتراء, وفي قسم الاستعلامات, نظر الموظف إلى جوازات السفر ثم نظر حوله بحذر قائلاً:
تفضلوا عالغرفة رقم 14 والساعة 8 العصر راح يفوت عليكم أبو عادل.. زين يا أخوان؟!
– أجاب جرجس: زين أخوي.. زين!
ودخلوا الغرفة 14 وهم ينظرون بحذر وصمت إلى محتويات الغرفة.. همس جرجس: لازم نكون حذرين من أجهزة التسجيل والتنصت او الكاميرات متل ما قلتولكن بالبيت!
تدخل بطرس ببراءة مستفسراً: يعني شلون بابا؟!
– هش.. لا ترفع صوتك يابني! 

المشهد 14

الجميع ينتظر وصول الطائرة من دمشق إلى القامشلي.. وحديقة مطعم المطار تعج بالناس.. تأخرت الطائرة ساعة كاملة.. وأثرى تنظر إلى زاوية الحديقة لأنها شاهدت نينوس وهاروت من بعيد.. دمعت عيناها.. أثار ذلك انتباه الأم.. نظرت حولها.. شاهدت نينوس يلوح بيده لأثرى.. تعكرت تقاسيم وجهها.. التفتت إلى أثرى غاضبة وقالت:
– هالكلب أجى لهون كمان؟!
غضبت أثرى لهذه الكلمات.. واحتقنت وجنتناها بالدم والغضب من هذه الكلمات البذيئة وهي في حالة رحيل عن أجمل ذكرياتها وأصدقائها والوطن!!.. قالت والكلمات تتحشرج في حنجرتها:
– هادا مو كلب يا ماما!.. هادا نينوس وأنا أحبو.. أحبو.. أحبو!.
ثم أجهشت أثرى بالبكاء وجسدها الصغير الجميل يهتز كقصبة في مهب الريح!..
اقترب الأب منهما!.. سأل عن سبب بكاء أثرى!.. قالت الأم وهي تمد يدها باتجاه إحدى زوايا الحديقة:
– هداك الكلب نينوس لحقنا إلى هون!
نظر جرجس باتجاه زاوية الحديقة.. شاهد نينوس ينظر إليهم كفارس يطلب التحدي ودون أن يخفض رأسه أو بصره!
أشر له جرجس بيده بما معناه (تعال إلى هنا!).. أعطى نينوس دراجته لهاروت, ثم أسرع باتجاه جرجس وسط دهشة واستغراب الأم التي قالت:
– أيش عم تسوي؟!.. ليش قلتلو يجي لهون؟!
رد جرجس على زوجته دون أن ينظر إليها:
– اسكتي هلا.. أحسن ما أسوي مشكلة!!
فرحت أثرى.. وشرعت تمسح دموعها وسط ابتسامة مشرقة من ثغر شرقي مصبوغ بأحمر شفاه مثل خمرة العنب الأحمر!.
حياهم نينوس!.. فردت أثرى التحية بفرح.. ورد أبوها أيضاً بشيء من التحفظ, بينما قامت الأم وتوجهت نحو دورات المياه!..
قال جرجس:
– كيف صحتك يا نينوس؟!.. جيت تودعنا؟!!
– دمعت عينا نينوس.. هز رأسه إيجاباً.. وأحس أن كلماته اختنقت في زوايا حنجرته الكئيبة.. ظهرت بعض قطرات الدموع بين جفونه.. دمعت عينا أثرى وهي تنظر إلى نينوس.. وسالت دمعتان حارتان أيضاً على خدي الفنان جرجس, فحاول الابتعاد قليلاً ليسمح لهما بتبادل بعض المشاعر وهو يهمس لنفسه (ليتني كنت أعيد كتابة قواميس العادات والتقاليد من جديد!!).
اقترب الطفل بطرس قائلاً: بابا ليش عم تبكوا؟!
لم يستطع أحد أن يجيب على سؤال بطرس الصغير.. الجميع يحاول إخفاء دموعه!!.. وفجأة صاح بعض الأطفال من هنا وهناك:
هييي… أجت الطيارة.. أجت الطيارة!..
خفقت القلوب بشدة!!.. ازدادت الدموع انهمارا.. نظر نينوس في عيني أثرى.. نظرت هي الأخرى في عينيه.. أمسك بيديها دون أن يدري!.. وهمس لها بصوت خارج من قلب القلب, ومن خلال شفتين مرتجفتين:
– أثرى.. أخاف تروحي وما ترجعي.. أو تضيعي بالغربة!!
نظرت أثرى باتجاه أمها وقالت: هيك بدها أمي يا نينوس!
جاءت الأم على عجل قائلة: بسرع.. بسرعة.. أجت الطيارة.. احملوا الاغراض مشان نقرب عالباب!
شد نينوس على يدي أثرى.. ثم همس لها من خلال الدموع:
وترحلين جواداً يبحر في السماء
يعانق نجوم الهوى
يحفر ذكراه في أبدية روحي
يلثمني عبر المسافات الطويلة
يناديني دوماً نحو الولادة
نحو الفجر الذي تآلف مع عشقنا
أحبك أثرى…
وأبحث عن جنوني داخل شرايينك
أرتشف الخمرة من عينيك مع آلاف الصور الجميلة
ومن شفتيك تنهمر بدايات ألحان الآلهة
أيتها الراحلة من أوردتي
نحو دوائر الثلج
وشموخ الأشجار الباردة
وعتمة القطب المتجمد
وسقوط قطرات الصمت
الصمت.. الصمت.. الصمـ…. ـت!
أجهشت أثرى في البكاء.. فسحبتها أمها من كتفها بعصبية ثم وضعت حقيبة في يدها قائلة:
– احملي وبلا أكل هوى!.. أنت وأبوكي الفنان!
نظر جرجس بغض إلى زوجته.. قال لها:
– اخرسي!.. وإلا راح ألعن أبوكي وأبو اللي خلفكي.. بنت الكلب!.. شوفي أنا على حجة.. والله من هون راح أرجع وتروحي لحالكي على جهنم!!
صمت الجميع.. انسحب نينوس بهدوء وهو ينظر إلى أثرى التي تبتعد عنه رويداً رويداً.. بينما يصيح هاروت من بعيد:
نينوس اعطيها القصيدة.. القصيدة!
وركض نينوس باتجاه أثرى التي ألقت الحقائب من يدها وركضت هي الأخرى باتجاهه نينوس, ثم أخذت القصيدة من يده وأخفتها بين أصابعها قائلة:
والله يا نينوس موكون إلا ألك.. ومو انساك ابداً.. وصورتك تتكون معي على طول!
صاحت الأم من بعيد: 
– عجلي يا بنت الـ… !
ثم همست لنفسها: مليح ما خلينا حدا من الأهل يجي معنا.. والا كان انفضحنا!!.. الله يعلم أيش تتسوي هالحقيرة بالسويد!!
سمعها جرجس!!.. أجاب وكأنه يتحدث مع نفسه: والله هالبنت أشرف من كل أصلك!.. وأنت تعرفي كويس أيش عم أقصد!.
وصعد الجميع إلى الطائرة.. الأم في المقدمة.. بطرس يتبعها, فجرجس, ثم أثرى التي كانت تلوح لنينوس بيدها وكأنها تقتلع قدميها من أرض القامشلي اقتلاعاً.. وعندما وقفت أمام باب الطائرة, وضعت يدها على فمها ثم أرسلت قبلة ممزوجة بالدموع إلى نينوس من خلال نفخة وحسرة في الهواء وشعرت كأن روحها الصغيرة رافقت تلك القبلة لتستقر على شفتي نينوس!.
جلست أثرى قرب نافذة الطائرة.. نظرت باتجاه نينوس وقلبها يخفق بشدة كجناحي حمامة بيضاء في السماء, وأحست بأنها لم تعد تخاف من أمها مطلقاً, فالجرأة تتسرب إلى نفسها رويداً رويداً.. 
وهدرت محركات الطائرة بعنف.. ثم التهمت اسفلت المطار مثل ثعبان مخيف.. بعدئذ حلقت في أجواء القامشلي.. لتدور دورة العروس (كما قال نينوس والآلام تعصر قلبه الغض).. 
همست أثرى في نفسها وهي تودع المشاهد الأخيرة من القامشلي:
والله تأرجع.. تأرجع للقامشلي لو يقطعوا راسي.. وتأرجع لنينوس لو يبقى يوم واحد من عمري!.. ثم أغمضت عينيها وحنت رأسها وهي تتذكر أشياء كثيرة جميلة.. وامتزجت هذه الأشياء مع الدموع الحارة,, والهمسات الهادئة التي كانت تخرج من بين شفتيها بهدوء.
نينوس!!.. يا حبيبي.. هل تسمعني؟!!.. سأعود يوماً إليك.. سأكسر كل القيود.. سآتيك عروسة كما ترغب.. سألبس الفستان الأبيض.. وستحملني بين يديك في ليلة العرس.. وتجوب بي بين المدعوين.. سينثرون الورود على رأسينا!!.. وستلمع أضواء المصورين في الصالة!.. وسيغني المطربون أغنية خاصة لنا!!.. 
همس نينوس لنفسه وهو لا زال ينظر باتجاه الطائرة: لقد غابت أثرى في قلب السماء الزرقاء.. فهل سنلتقي يوماً ما؟!

المشهد 13

الساعة الثالثة صباحاً.. يرن جرس الهاتف في بيت أثرى.. تهرع مارين لترد:
– أيوه.. مين؟!
– مرحبا مارين.. أنا منى.. صار لي عشر ساعات أدق التلفون عليكن وما عم يلقط.. اسمعيني كويس.. لازم بعد 3 ايام تكونوا في الأردن.. في أوتيل البتراء.. راح يجي زلمي أسموا أبو عادل.. قصير وأصلع وسمين.. راح ياخد الباسبورتات منكن.. بس لازم بكرى تصوروا كل واحد اربع صور جديدة.. ولا تجيبوا معكن جناتي تقال.. ولا تدفعوا قرش واحد لأبو عادل إلا لما تركبوا الطيارة.. وراح يكون هوي معكن إلى ألمانيا.. عم تسمعيني؟!
– أيو أختي أيوه!
وبس توصلوا لمطار ألمانيا.. راح تقدموا لجوء في المطار.. بس لازم تغيروا أسماءكن.. وأبو عادل راح يفهمكن على كل شي!
– ما شي الحال أختي ماشي الحال.. والله يوفقكي من هون إلى هونيك!.
– ولو يا أختي.. ليش كم مارين عنا؟!.. بس لا تعملوا شي بلا أبو عادل.. حتى إذا صار شي نقدر نحاسب شريكو اللي بالسويد!
ما شي الحال.. وسلمي على الأهل.. ويعطيكي ألف عافية!.

المشهد 12

الزمان: يوم الأحد مساءاً.
المكان: شارع شكري القوتلي.. أو شارع العشاق كما يسميه البعض في القامشلي.. وله عدة أسماء منها: شارع المشوار, شارع العروبة نسبة إلى ثانوية العروبة وهكذا.. الفتيات الجميلات يبحثن عن عرسان..
نينوس وهاروت يمشيان جنباً إلى جنب, وهما يبحثان عن أثرى وليلى بعيون ملهوفة.. قطعا الشارع من السبع بحرات حتى مطعم القصر دون أن يعثرا عليها!.. عادا مرة أخرى.. وفي مطعم لبيع الفلافل, وقعت عينا هاروت فجأة على أثرى وهي تبتسم له!
توقف هاروت في مكانه.. بينما نينوس لازال يمشي في الزحمة.. أشر هاروت لأثرى بأن تختبئ, وهكذا فعلت!.. أحس نينوس بأنه يمشي وحيداً.. نظر خلفه.. وجد هاروت واقفاً يبتسم مثل تمثال حجري مضحك.. عاد إليه قائلاً:
ليش فرملت دواليبك يا أخ؟.. ووقفت متل تمثال خوفو وخفرع!
قال هاروت وكأنه يمثل دوراً في مسرحية ما: لقد عثرت على حبيبتك يا أيها العاشق الولهان.. هان.. هان.. هان!
التفت نينوس بسرعة حوله!.. لم ير شيئاً!.. أمسك برقبة هاروت, وقال باصرار ولغة مسرحية: قل لي أين هي, وإلا قطعت رأسك يابن حلاق البشيرية وألقيت به للكلاب الجائعة!
سار هاروت مثل ملك مهيب, وهو يقول: اتبعني مثل الظل يا غلام!
وتبعه نينوس إلى داخل المطعم, ليجد أثرى وليلى في إحدى زواياه, وهما تأكلان الصندويتشات!.. فرح نينوس.. واحمر وجه أثرى بينما كانت ليلى تبتعد لتفسح لهما المجال للحديث.. وذهب هاروت ليقف خلف الذين ينتظرون دورهم للحصول على ما يطلبونه من مأكولات أو مرطبات!
اقترب نينوس من أثرى.. نظر بعمق في عينيها الجميلتين.. همس بحب واشتياق:
أثرى.. شلونكي؟!
– ماشي الحال.. أنت شلونك؟!
– مليح.. قوليلي.. كم يوم بقى لروحتكن عالسويد؟!
– ما بقى كتير.. نحن جاهزين للروحة.. (ظهرت بعض قطرات الدموع في العينين).. بابا قدم استيداع من المدرسة.. وإذا خالتي خبرتنا بالتلفون من السويد بدنا نسافر!!
أحس نينوس بقلبه يعتصر ألماً.. قال:
أعطيت صورتك للرسام يعقوب ملكي.. أحسن رسام للصور الشخصية في القامشلي.. بدو يرسمها ملونة وكبيرة قياس 50 في 60 وراح اعلقها في غرفتي يا أثرى!
شهقت أثرى: ياه.. ليش يا نينوس؟!.. أخاف الناس تحكي هيك وهيك!.. أو أبوك وأمك يزعلوا منك!
– لا تخافي!.. ما يقدر حدا يسكر تم الناس!.. وأبوي وأمي ماراح يزعلوا لما أنا أكون مبسوط!.. وفعلاً راح أكون كتير مبسوط لما تكون صورتكي قدام عيني على طول.. وخدي هاي الصور تبعي.. وهاي كمان ميدالية على شكل قلب.. إذا فتحتيها راح تشوفي صورتي جواتها!
أخذتها أثرى بسرعة وضمتها إلى قلبها وهي تغمض عينيها.. اقترب هاروت قائلاً: تفضلوا يا شباب فلافل الحب قبل ما يبردوا!
قال نينوس مازحاً:
الله يلعنك ويلعن فلافلك!.. ليش هلا كان وقتهم يا غليظ؟!