المشهد 11

الاستاذ جرجس يناقش صديقه الاستاذ كابي يوسف في نقابة المعلمين حول الحياة في السويد وألمانيا, والدول الأخرى, وحول مستقبل المغتربين هناك, ويتفق الاثنان على أن الهجرة هي مرض أصاب هذا الشعب, وقد دخلت الهجرة في دم الناس.. أغلبهم يريد أن يهاجر.. 
– يا استاذ كابي راح يذوب شعبنا هنيك متل ذوبان الثلج!
– يا استاذ جرجس.. والله غريب أنت!!.. تحكي هيك وأنت تحضر حالك للسفر والهجرة؟!
– ايه.. اللي يدري يدري واللي ما يدري يقول جف عدس!.. على كل حال.. أنا أريد أجرب هالبلاد الباردة.. بلد السويد مثلاً.. أشوف شلون يفكرون.. شلون يعيشون!.. بلكي هنيك أرسم كم لوحة.. وأعرف العالم بلوحاتي.. 
– يعني خلاص راح تهاجر استاذ جرجس؟!
– والله يا أخوي.. هيك باين.. بس ماراح اقطع حالي أبداً عن القامشلي!.
– يا سيدي والله راح نخسرك!.. 
– استاذ كابي.. اسمعني كويس.. أنا عندي قناعات غريبة في قلبي.. بس ما استرجي أحكيها لأحد..
– يعني شلون؟.. هات فهمنا إذا ما عندك مانع!
– يا سيدي.. أنا عندي قناعة أن الناس كلهم متل بعض.. يعني أنا والسويدي متل بعض.. أنا والأفريقي متل بعض.. أنا والمسلم متل بعض أنا والكردي متل بعض.. بس كل واحد مننا ولد في بيت له دين وعادات وتقاليد وقومية غير شكل.. وهالبيت اللي عبى كل واحد مننا بأكبر جزء من شخصيتو.. فهمت شو عم بقصد؟
– طبعاً فهمت.. ليش شايفني هلقد غشيم!..
– لا على سلامتك يا كابي!.. بس كمان في بعض الشغلات التانية ما أريد أحكيها لأحد.. وأخليها سر في صندوق أسراري.. وأريد أطالعها في يوم من الأيام في لوحاتي.. أو في كتاب عن حياتي.. أو هيك شي.
– يعني استاذ كابي متل شو هالشغلات التانية؟.. والله خليتني شوي أكون فضولي!
– يعني يا كابي.. وجهة نظري في الحياة.. في الدين.. في السياسة.. في القومية.. وهيك شغلات.. وهاي بدها كتب كاملة ومقدمات وجرأة في الكتابة.
– أوه.. لكن خلينا الله يخليك.. وهات نطلبنا كاستين شاي ونلعب دق شطرنج بلكي أخسرك وتروح عالسويد وانت خسران مشان ترجع لهون لترجع خسارتك.!!.
– خلينا من الشطرنج.. والله ما اقدر أركز هلا أبداً..
– لكن هات وحكيلي عن الدين مثلاً..
– حبيبي كابي.. أقدر أعطيك فكرة بسيطة مثلاً عن رأيي بالدين, وبالأخطاء الدينية اللي وقعوا فيها رجال الدين من زمان كتير.. وبعدوا عن تعاليم المسيح اللي أجى مشان يزرع السلام بين الشعوب المتحاربة في هداك الزمن!.
– يعني شلون؟
– أوهو كابي!!.. عصبتني ها!.. تريد تسحب مني الكلام؟!.. يعني متل الرهبان وعدم زواجهم.. أو المطارنة.. أو غيرهم.. وكل واحد شاطر بزمانو كان يبعتوه يصير راهب.. والراهب لازم ما يتزوج.. مشان ينقطع نسلو من الدنية لأنو شاطر.. معناها بعد كم سنة ماراح يبقى ولا شاطر بيناتنا وأنا وأنت هلا أولاد الأغبياء؟
يضحك كابي ويقوم.. ينفض مؤخرته.. ويقول:
والله أنا مو ابن غبي.. أحكي على حالك وبس.. وبيشرفي اللي يقعد معك بدو يجن!.. وأنت واحد كافر من الدرجة الأولى وبيشرفي يسمعوا القسان فيك راح يحرموك بين الناس!
يضحك الاستاذ جرجس, ويضيف مازحاً: ليش أنا كنت قاعد هلا مع عاقل؟!.. وبعدين أنا لحد هلا ما حكيت لأحد.. وإذا انحرمت قبل ما أروح عالسويد.. فأنت اللي حكيت علي وحرمتني.. وهديك المرة.. يا ويلك مني!.
توجه كابي نحو مدخل دورات المياه, بينما صمت جرجس قليلاً.. نظر إلى جبال طوروس بألم.. تعمق فيها أكثر.. همس لنفسه: ربما أنا كافر.. فمن يدري؟! 

المشهد 10

الساعة السادسة وخمس دقائق.. ليلى وأثرى تتحدثان عن نينوس وقصائده تارة, وعن الحياة في السويد تارة أخرى.. يرن جرس الباب.. تهمس أثرى: أجا نينوس.. وبألله أخاف من أمي تجي لهون!
هرعت ليلى وفتحت الباب.. دخل نينوس.. حيا ليلى, ثم دخل غرفتها ليجد أثرى تستقبله مثل ملكة جمال صغيرة.. ابتسمت له عاشقة ولهانة وقد أشرق وجهها بالحب وكأن نوراً مقدساً يشع من التقاسيم البريئة الهادئة.. قلبيهما يخفقان بشدة.. أحس نينوس أنه في عالم آخر.. شعر بدماء مرتعشة تسري في عروقه.. وكأن دماء حبيبته بدأت تسري في عروقه وأوردته.. نظر في عينيها البحريتين.. همس لها:
شلونكي يا أثرى؟!! 
احمرت وجنتاها.. توردت شفتاها.. اغرورقت عيناها في دموع دافئة سالت على خديها مما أشعل فيهما نار العشق.. قالت بصوت محشرج:
– راح يا خدوني عالسويد يا نينوس!!
ثم أجهشت بالبكاء.. قال نينوس: لا.. ماراح تروحي عالسويد يا أثرى.. راح تكوني دوماً في قلبي.. والله ماراح أنساكي أبداً أبداً.. كل دقيقة راح أطلع بصوركي.. واتذكر كل حركاتكي وأصواتكي.
شعر نينوس بقوة غريبة تدفعه نحو أثرى, ثم أمسك فكها السفلي بيده اليسرى, وباليد الأخرى أمسك قمة رأسها وانحنى على شفتيها ليطبع قبلة حارة وطويلة عليهما.
لم تقاوم أثرى أبداً!!.. أحست أنها سوف تسقط مغشية إلى الأرض.. أو أنها ذابت في جسد نينوس.. لأن قدميها ما عادت تحملها, فارتمت على أقرب أريكة.
إنها أول قبلة حب في حياتها.. وكانت مثل جمرة متوهجة:
من مسامات رقيقة أعبر
من رائحة أحمر الشفاه انتشي
وعطورك الثملى تغيب حباً في أوردتي الملتهبة
أذوب بركاناً في كل الأزقة
نسراً يلتهم المرمر
وأطير حالماً نحو الفضاء
أشرب كل أنواع الخمور
وأرتوي على أمواج السراب
حصاناً جامحاً
أرفض كل العوالم الأخرى
وأبحر في عالمنا الأوحد
إلى فردوس الهوى
دون عودة
دون ندم
دون يقظة

دخلت ليلى وهي تحمل ثلاثة أكواب من الشراب.. فوجئت بمشهدهما وهما في عناق حار!.. كادت أكواب الشراب أن تسقط من يديها!.. استغربت!!.. فرحت لأنها شاهدت شيئاً غريباً!!. أو لأنها أصبحت تملك مستمسكاً حقيقياً على صديقتها.. بكت أثرى.. قالت مؤنبة:
– ليش عملت هيك يا نينوس؟!.. أمي بدها تخنقني!.. ثم أجهشت بالبكاء أكثر.. واتكأت على كتف صديقتها لتتابع نحيبها!.
رن جرس الباب.. صرحت أثرى مذعورة وهي تمسح شفتيها وعينيها:
– أخاف تكون هاي أمي اللي دقت الباب!.. والله ما في غيرها.
وحاولت أثرى أن تختبئ في مكان ما!
ارتبك نينوس!.. وبدى الذعر في عيني ليلى أيضاً.. رن الجرس مرة أخرى.. خرجت والدة ليلى من إحدى الغرف وهي تقول غاضبة:
– ليش ما عم تسمعي صوت جرس الباب يا ليلى؟!.. لكن ليلى كانت تصفع خديها بهدوء مشيرة إلى هول الموقف!.. توجهت الأم وفتحت الباب.. دخل الطفل بطرس.. سأل عن أخته أثرى.. خرجت أثرى بسرعة من غرفة ليلى, وقالت:
– ها حبيبي بطرس.. ليش أجيت لهون؟!
اقترب بطرس من نافذة غرفة ليلى.. وبدأ يبحث بعينيه عن نينوس, كي ينقل الأخبار إلى أمه التي أرسلته ليستطلع عن هذا الأمر في بيت ليلى.. وقفت أثرى بين بطرس والنافذة علها تمنعه من مشاهدة نينوس, ألا أن بطرس كان يحاول أن يدخل الغرفة, بينما أثرى وليلى تمنعانه من الدخول.
صرخت أثرى في وجهه: ليش تريد تدخل عالغرفة يا بطرس؟.. وليش أجيت لهون؟!
ارتبك بطرس.. أجاب: ماما قالت روح قول لأثرى.. بدنا نروح لبيت جارتنا نشرب قهوة.. وإذا ما كنا بالبيت خلي تجي لبيت الجيران!.
أجابت أثرى: معليش حبيبي معليش.. يعطيك العافية وهاي بوسة, وكمان راح أعطيك خمس ليرات مشان تشتري لك شي طيب من الدكان.
أخذ بطرس الخمس ليرات وأسرع خارجاً.. بينما أثرى وليلى ونينوس يتنفسون الصعداء بفرح. 

المشهد 9

اتصلت ليلى (صديقة أثرى) مع نينوس لتقول له, أن أثرى حزينة جداً, لأن موعد هجرتها إلى السويد أصبحت قريبة جداً.. وضع نينوس السماعة مكانها, ثم ضرب الطاولة الخشبية بقبضته غاضباً مما أدى إلى تناثر الأقلام وكل الأدوات الأخرى في كافة الاتجاهات.. أجفل صديقه هاروت الذي قال: يخرب ديارك؟؟ والله قطع قلبي!.. أيش صار عليك ياوو!
نظر نينوس بعينين حزينتين غاضبتبن إلى صديقه هاروت, ثم قال:
– أثرى بدها تسافر عالسويد يا هاروت!
– العمى!؟؟ ليش هي كانت عالتلفون تحكي معك؟!
– لأ.. صديقتها ليلى!
جلس نينوس على الكرسي الخشبي.. وضع رأسه بين يديه حزيناً.. بدأ هاروت بجمع الأدوات المبعثرة من الأرض بهدوء.. 
قام نينوس فجأة.. رفع سماعة الهاتف.. اتصل مع ليلى.. قال بغضب:
– آلو ليلى.. قولي لأثرى خلي تجي لعندكم اليوم أو بكرى.. وتجيب معها صورها.. وبعدين اتصلي معي.. وأنا بالبيت.. ماراح أطلع!
– ماشي الحال نينوس.. أنا هلا راح أتصل مع أثرى!
وضع نينوس السماعة في مكانها.. أغرورقت عيناه بالدموع.. خفق قلبه بشدة.. نظر إلى هاروت الذي أدار وجهه هو الآخر خشية من بعض الدموع التي ظهرت بين جفونه, همس نينوس بهدوء:
أحبك أكثر من قصائدي
وقصائدي عقد عشق يلمع لعينيك
أيتها الملكة
اني أعرف تماماً أني أحبك
دقائقي وثواني باتت ملكاً لك
أحبك بكل أحاسيسي
بكل مسامات الجسد الدافئ
في شتاءات الشمال
بدفء الشمس القريبة
أعشقك بصمت وألثمك شبراً شبرا
أشدك بقوة نحو قلبي
أيتها الباقية لزمن يذوب كالثلج
أيتها الصامتة بألم الموت والرحيل
في عينيك آلاف الكلمات المشنوقة
المقتولة كأفواه أطفال على نهود تقطر حباً
قواميس العفونة ترتجف في ذاكرتك
كتراتيل مخيفة
لرهبان سود في زوايا البخور
أحبك بقربي
بل أحبك ملتحمة بجسدي
تنظرين إلى كل الأزمنة القادمة
أحبك..
وأعترف أما آلهتي
بأني أخبئك في صناديق أسراري
المحكمة الإغلاق
المليئة بالذكريات
محطمة المفاتيح إرباً إرباً في قيعان البحار
أمتص صورك وهمساتك بعيون مغمضة
أتذكرك في قلب الثواني
مع ومضات برق شتائي عاشق
يضيء في داخلي حباً وعشقاً وذكرى
أجل يا حبيبتي
فأنا أنتظرك على كل أبواب العالم
وفي كل نوافذ الدنيا
لأسمع صوتك الحالم يلثمني ويناديني
عيناك تخبرني عن عشقك الدفين
همساتك المسجونة في حناجر الاعتقال
تهزني مثل أسرة الأطفال
فأعيش أبداً لك ولحبك السرمدي
و لأفق يناديني ويناديك
إلى مسيرة عاشقين نحو الشمس
نحو الدفء الوردي
يداً بيد
وقلباً بقلب
في صمت أبدي وأسرار بعشق اللانهاية
تعالي لنبدأ الخطوة الأولى
في طريق طويلة كعمق الفضاء 
نحو حب دائم وعشق شلالي متدفق
تعالى الآن
قبل أن تموت أجزاء الثواني.

يرن جرس الهاتف, يرفع نينوس السماعة بسرعة.. تقول ليلى:
– آلو نينوس!.. راح تجي أثرى لعنا اليوم.. من الساعة 6 للساعة 7.. بحجة درس الرياضيات.. واعتقد أمها شكت بالموضوع!!
– أف.. وشلون عرفتي ياليلى أنو أمها شكت بالموضوع؟!
– لأنها قالت بكرى ما عندكن رياضيات!
– وشو قلتيلها؟!
– والله تلبكتو شوي.. بعدين قلتولا نحني تنحضر لبعد بكرى!
– على كل حال.. يعطيكي العافية. 


المشهد 8

الساعة الثانية عشر ليلاً.. جرجس مستلق في الفراش.. يتأمل أشياء كثيرة.. مارين ترتب غرفة التلفزيون.. أثرى تدرس في غرفتها.. ويغط بطرس في نوم عميق.
دخلت مارين غرفة النوم سعيدة.. أغلقت الباب بالمفتاح بهدوء.. تمددت إلى جانب زوجها.. استدارت باتجاهه.. وضعت يدها اليمنى على صدره.. التصقت به أكثر.. همست له: يعني هلا ااقتنعت بالروحة عالسويد؟!
– ما دام صممتي مع أهلكي.. فـ يبدو انو لازم اقتنع مبدئياً ولو في سبيل التجربة!
– يعني ايش تقصد؟.. هات فهمني تأشوف!
– أقصد يعني أنا هلا موافق.. بس عندي شروط!
فرحت مارين لهذه الكلمات.. واقتربت أكثر من زوجها قائلة بغنج نسائي متصنع:
– وشو هي شروطك يا حبيبي.. يا أحلى فنان!
– شروطي يا ست الحسن.. إذا ما أخدت إقامة بسرعة.. أو ما عجبتني السويد.. أو أي شي تاني عكر مزاجي.. والله العظيم بدي ارجع لهون لو القيامة تقوم!
– ما شي الحال.. أنا موافقة.. وهات بوسي..
– اتركينا شوي.. وخلينا نفكر وبعدين ننام!
– يخرب ديارك!! الضهر كلو وأنت نايم!
ومدت يدها إلى صدره تلعب ببعض الشعيرات, ثم وضعت ساقها اليمنى فوق أرجله, وازدادت التصاقاً به:
في جموح الحب ترتجف البراكين
مثل التواءات الموج تحت وهج العشق
خليط المرمر مع شهد الروح
دفء لخيول الحرية
قطرات الحياة لنهود الجوع
التهام لحنايا الجبال
وغوص في بحار القرمز
أسماك تقضم كل الأشياء
تذوب في تراتيل السماء
تنادي نجوم الأبدية
أطفال.. فجر.. عبور نحو السرمد
حياة جديدة
حلمة سمراء
وسبات سعيد بين شذى الأحلام

ويرن جرس الهاتف.. تقفز مارين من فوق السرير.. تركض باتجاه الهاتف قائلة:
– بلكي أختي منى من السويد عم تتلفن!
– ألو مين؟
– مرحبا مارين.. أنا منى منى!.
– أهلين منى.. شلونكي وشلون الاولاد وابوهن؟!
– الحمدلله. بس قوليلي يا مارين.. وصلوا المصاري ولا لأ؟!
– ايوه ايوه وصلوا.. يعطيكي ألف عافية.. بس هالمبلغ ما يكفي يا منى!
– مافي مشكلة.. بس قوليلي زوجكي وافق والا لأ؟
– طبعاً راح يوافق.. ليش في دولة بالعالم أحسن من السويد.. بس قال والله والله اذا ماآخد إقامة بسرعة راح أزعل كل أهلك وأرجع عالقامشلي!
– كمان مافي مشكلة.. المحامي وعدنا يخلص كل شي ان شاء الله.. بس لازم تحضروا حالكم خلال شهر واحد!
– ماشي الحال أختي.. ما شي الحال.
– وأنا كمان راح اتصل معكن بعد كم يوم بخصوص هالشي.. أوكي.
– اوكي أختي.. اوكي.
– سلمي كتير عالاهل كلياتن وهيدو قبل ما ينقطع الخط.
– أيش قلتي؟!
– قلتو هيدو يعني بالسويدي بخاطركي!
– مع السلامة الله معكي اختي.

المشهد 7

في حوالي الساعة الثانية عشر, ضغط الشاب نعيم يعقوب على جرس الباب الخارجي.. هرعت مارين فرحة لتفتح له, وتستقبله بحرارة.. ثم تقوده إلى غرفة الجلوس مرحبة به.. بعدها بقليل يغسل جرجسه يديه من زيوت الرسم, ثم يشاركهم الجلوس.. يقول نعيم, وهو يفتح حقيبة يدوية صغيرة: بنت حموك.. بعثت معي هالكرونات, وهالرسالة كمان.. وقالت لازم أشوفكم ضروري.. وإذا يلزمكم كرونات.. تقدر تبعث اللي يلزمكم.. وكمان قالتلي خلي يحضروا حالهم.. حكينا مع المحامي.. وكل شي تمام.. (ابتسمت مارين سعيدة.. نظرت إلى زوجها.. قالت): سمعت؟!.. وهلا شو رأيك؟!..
سكت جرجس.. نظر إلى زوجته, وكأنه يقول: اسكتي الآن.
التفت إلى نعيم وقال: أخ نعيم؟!.. أنت شو رأيك بالسويد؟.
اعتدل نعيم على الكرسي جيدا, ثم تحدث وكأنه خبير يعرف أسرار الكون.. وتحدث عن صعوبة الإقامات.. وحياة (الكمبات).. وكيف يتصرف المهاجرون.. و.. و..
استنتج جرجس من خلال كلام نعيم أنه شاب يحب جمع المال.. يكذب أحياناً.. يظهر نفسه أكبر من حجمه!.. قدم من السويد ليتزوج مثل غيره!.

المشهد 6


…وتمر الأيام.. يتواعد نينوس وأثرى على تقليل الهواتف واللقاءات.. وكانت قد أرسلت أثرى إلى نينوس قصاصة ورق مزخرفة بقلوب وورود.. كتبت عليها: (أحبك يا نينوس أكثر من الحياة.. فإن بقيت حية فأنا لك.. وإن مت فأنا للأرض!)
ويرد نينوس عليها بقصاصة أجمل, كتب عليها: ( إن كلمة – أحبك – صغيرة جداً أمام حبي لك أيتها الوحيدة في عالمي!!)
وبعد مرور عدة أيام.. رن جرس الهاتف في بيت جرجس.. فأسرع الطفل بطرس ليرد, لكنه استنجد سريعاً بأبيه:
– بابا تعال رد أنت.. في واحد عمو يقول بدي بابا.
أسرع جرجس وتناول السماعة.. سمع صوت شاب يقول:
مرحبا.. أنا نعيم يعقوب من المالكية.
– أهلا وسهلاً.. تفضل خير؟!
– البارحة وصلت من السويد.
– الحمدلله عالسلامة.
– الله يسلمك.. في معي ألك رسالة من بنت حماك اللي بالسويد.. وعشرين ألف كرون.. إذا أنت بالبيت.. فكرتو أفوت عليكن الساعة 12 الظهر.
– أهلا وسهلا.. بتعرف البيت؟!
– طبعاً.. عنوانكم مكتوب عالظرف!
– يا أهلا فيك.
وضع جرجس السماعة بهدوء, وقد سرح بخياله بعيداً جداً.. إلى السويد.. بلد الديمقراطية.. بلد الحرية.. بلد التعليم.. بلد الأمان.. بلد التكنولوجيا.. ثم تأتيه كلمات أحد أصدقائه كالصدى: (صوت الطبل من بعيد طيب يا جرجس.. المهاجرين في السويد يعيشون في الدرجة الأخيرة من المساواة.. بهدلو البلد بتصرفاتهم.. بس في ناس منهم ممتازين ورفعو راسنا.. يا أخي يبقى على الانسان.. والسويد متل الآسيد يجلي المعادن.. إذا أنت أصيل تبين أصالتك.. وإذا تدور على هيك وهيك تلاقي..!! ) ويحتار جرجس.. يتردد.. يعيش صراعاً نفسياً بين البقاء والهجرة.. ثم يهمس لنفسه:
ربما هناك أصبح فناناً عالمياً!!.. وسأعود كل سنة إلى القامشلي ولعدة أشهر.. ولن أقطع علاقاتي مع أهلي وأصدقائي وأرضي أبداً.. لكن يقولون (اللي يشرب من ماء السويد يصعب عليه فراق هالدولة الباردة!) 
يقترب الطفل بطرس من أبيه ليوقظه من أحلام أفكاره: بابا.. بدي ليرة.. وأريد أروح عالدكان قبل ما تجي ماما.. بعدين ما تخليني أروح!
– يتوجه جرجس إلى غرفة النوم.. يتناول ليرتين ويضعها في كف بطرس قائلاً:
لا تتأخر كتير!!.. حتى لا تاكل قتلة من ماما!
وينطلق الطفل الصغير بطرس فرحاً باتجاه مبتغاه!. 


المشهد 5

في الساعة الثانية تماماً رن الجرس في بيت أثرى.. هرع الطفل بطرس وفتح الباب..
قلب أثرى يخفق بشدة.. قلب ماري أيضاً يخفق بشدة.. قال بطرس:
تفضل فوت على هالغرفة.
دخل نينوس غرفة الاستقبال.. ثمة لوحات انطباعية على الجدران.. سجادة فاخرة تفترش الأرض.. كراس أنيقة.. مدفأة كبيرة.. ستائر جميلة.. جلس نينوس وهو مرتبك.. من أين يبدأ بالحديث؟!.. هل ستحضر أثرى للمناقشة؟!.. هل أبوها في البيت؟!
وبعد مرور خمس دقائق ثقيلة دخل جرجس وتبعته مارين, بينما كانت أثرى تفتح أذنيها من المطبح لتسمع تفاصيل الحوار الذي سيجري وكأنها تقف حافية على جمر من النار.
بعد التحية والسلام.. جلس جرجس مواجهاً لنينوس, وجلست مارين بجانب زوجها مثل محام للدفاع.. قلب الجميع يخفق بشدة.
كسر جرجس الصمت بتوجيه سؤال إلى نينوس:

خير يا ابني.. أنت طلبت تقعد معنا وتناقش في موضوع خاص, متل ما فهمت من زوجتي.
أجاب نينوس بثقة: طبعاً, بس كنت أريد لو تجي تقعد أثرى كمان.. إذا مافي مانع!
(تدخلت مارين مباشرة): ليش تجي أثرى وتقعد بيناتنا؟
– لأن في شوية أسئلة لازم أثرى تجاوب عليها قبل كل شي!
قال جرجس: مافي مانع أبداً.. (نظرت مارين إلى جرجس مستغربة, ثم قالت):
مافي داعي أبداً تجي أثرى!
قال جرجس غاضباً: و شو المانع يا مارين؟
ثم صاح أثرى لتأتي إلى الصالون وتجلس معهم: تعي بنتي تعي.. قعدي بجنبي.
فرح نينوس.. وتمنى في قلبه لو أن صديقه هاروت أيضاً كان يحضر هذه الجلسة لأنه يستمد منه الجرأة والقوة أحياناً.. لكنه وجه حديثه إلى والد أثرى قائلاً:
أستاذ جرجس.. أنا وأثرى نحب بعضنا من سنة تقريباً! (نظرت مارين مستغربة إلى ابنتها وكأنها تتساءل, هل هذا صحيح؟!) لكن أثرى نظرت إلى الأرض بخجل.. فتابع نينوس حديثه:
وأنا أعرف نحن صغار عالزواج!.. بس مافي مانع أنو نحب بعض من هلا.. ونتواعد عالزواج الشريف بعد كم سنة.. وإذا هالشي ما يناسبكم, فأنا مستعد أجيب أهلي اليوم ونحط خاتم كبير بأيدها ونستنى لنخلص الجامعة أو نتزوج بعد كم سنة!
ابتسم جرجس وقال: يا ابني أربع خمس سنين كتيرة.. الله يعلم شو راح يصير بهذاك الزمان.. وقدامك جامعة, وأنت شاطر وابن ناس كويسين.. ويظهر انو شخصيتك قوية.. بس نحن في احتمال كبير نروح نهاجرعالسويد!
هزت مارين رأسها بفرح, فهي تحب أن تسمع هذا الكلام من زوجها الذي يرفض دائماً فكرة الهجرة والاغتراب.
قال نينوس: يا أستاذ جرجس.. أعتقد هالشي ما يمنع انو نحب بعض أنا وأثرى!.. وأنا مستعد استناها حتى إذا كانت في السويد!
استغرب جرجس من ثقة نينوس بنفسه, وقوة شخصيته الظاهرة, إذ تمنى جاداً أن تكون أثرى من نصيب هذا الفتى, فشرد بذهنه إلى إحدى اللوحات الفنية التي رسمها قبل عدة سنوات وكان موضوعها العادات والتقاليد البالية التي تشبه الجوارب النتنة, المليئة بالثقوب, والمعلقة على جدران المنازل العتيقة.
استيقظ من شروده.. قال: هذا ما يجوز يا ابني.. انتو صغار.. وما يناسبنا نعلن للناس عن علاقتكن مع بعض.. وبصراحة أنا ما أريد تستمر هالعلاقة رغم تفهمي لوضعكم تماماً.. بس هيك بدو المجتمع يا ابني.. لو مجتمعنا كان متل مجتمع السويد مثلا, لكان اختلف الأمر كلياً بالنسبة الي على الأقل.
صمت جرجس قليلاً, ثم أردف قائلاً: انتبهوا لدروسكم.. المستقبل قدامكم مفتوح.. لا تضيعوا حالكم والزواج ما راح يهرب (نظر جرجس إى زوجته) قومي مارين واعملي لنا كم كاسة شاي!.. (بعدئذ نظر إلى نينوس): أنت شب ممتاز.. لازم تقدر وضعنا وحالة مجتمعنا.. (أحس نينوس ببوادر دموع تحاول أن تغرق عينه.. نظر إلى أثرى.. قال): يا استاذ جرجس.. والله ما أقدر.. خلونا هيك متل ما نحن هلا.. ليش الحب حرام يا استاذ جرجس؟!.. أنت فنان!.. ولازم تحس فيني!.. والله العظيم أنا نيتي صافية.. وما أريد أضر فيكون أبداً.. أبداً.
– اسمعني يا نينوس كويس.. أنا تلفونات وقصائد بنصاص الليالي ما أريد.. وحركات مراهقين قدام العالم كمان ما أريد.
دخلت مارين حاملة طبقاً ذهبياً عليه مجموعة من الكؤوس المليئة بالشاي.. قام نينوس بعصبية.. نظر إلى أثرى نظرة عشق وتشجيع, ثم قال: على كل حال بخاطركن.. والله يعطيكن العافية.
واتجه نحو الباب, لكن جرجس صاح به بثقة: تعال اقعد مكانك!.. عيب تقوم وما تشرب الشاي.. هلا كنا نمدح فيك!
أحس نينوس بالخجل, وشيء من الفرح.. جلس في مكانه كأنه لم يصدق ما سمع من كلام.. نظر إلى أثرى التي كانت تبتسم وتسرق النظرات باتجاهه.. مرت لحظة صمت غريبة.. قام جرجس وتوجه نحو الحمام.. أغلق الباب خلفه.. نظر إلى المرآة.. شاهد بعض الدموع تسيل بألم على خديه.. همس لنفسه: حبيبتي أثرى.. سامحيني إذا قسوت عليك!!
غسل وجهه بسرعة ثم توجه إلى غرفة الاستقبال ليشارك في شرب الشاي!.


المشهد 4

عندما تأكدت أثرى من نوم الجميع.. حملت الهاتف إلى غرفتها ثم انتظرت عقارب الساعة حتى تتعانق فوق الرقم 12, وهذا هو الموعد المتفق عليه للاتصال ببعضهما.. حملت السماعة.. قلبها يكاد يخرج من مكانه.. ضغطت على الارقام.. وفي أول رنة للجرس.. رفع نينوس السماعة.. همس لها:
ها.. أعرف تريدي أقرا الكي القصيدة!
قالت أثرى بصوت هامس دافئ: طبعاً.. أنا جاهزة يا حبيبي!
يقرأ نينوس قصيدته التي كتبها خصيصاً لأثرى باحساس صادق وصوت هادئ دافئ.. وكأنه يسكن ضمن حروف تلك القصيدة.. فتنتشي أثرى على الجانب الآخر من الهاتف.. وتحلق في عالم من الأحلام.. بعيداً عن كل ما حولها من أشياء محسوسة, وتنساب كلمات نينوس في أذن أثرى:

أيا ملهمة قصائدي!
أيا حباً قادماً مثل عنفوان الضوء
في كل الأوقات
في أزمنة آتية من كل مكان
من عينيك أسرق خطوط رسومي
وهمساتك القتلى تضيء ألواني.

من علمني الهوى سواك؟!
ومن أرحلني عبر بحار العشق؟
من لمس جسدي المرتعش من الكلمات؟
من؟.. من؟.. من هزني تساؤلا كالأطفال؟
جائعاً لا يشبع من كل الأشياء.

أيا كلمات الحب حلقي
طيري جناحاً أبيضاً في سمائي
رفرفي عشقاً دائماً مثل الشروق
واعبري ملاكاً هادئاً في ذكرياتي
ثم اقفزي حصاناً جامحاً
برقاً
رعشة
تياراً يلتهم الحنايا
بل يلثمني ويقضمني كرضيع نهم
مثل هواك.

أيا سامقة فوق مستنقعات الجهل
يا مصلوبة على أخشبة الغباء
من قيدك؟!
ومن مسح العالم من عينيك؟!
من ملأ بالعفونة خلاياك؟!
وأرحلك عبر ظلام دامس مثل الموت
سوى عبودية القهر, وحب الامتلاك!

تعالي صبية لا تكبر أبداً
اغتسلي وتعمدي من بحر كلماتي
والبسي ثوباً أبيضاً مثل الثلج
مزركشاً بحروف همساتي
عيناك بعمق اللانهاية
وصوتك عاشق سرمدي
وليلك بدون فجر
فأنت محفورة في أحجاري وماساتي
لا تمحوك سوى أطراف أصابعي
أو التصاقات الدفء من كل لمساتي.
—–
همست أثرى وهي ترتجف عشقاً:
أرجوك نينوس, اقرأ القصيدة مرة تانية, صوتك كتير طيب!
– يا أثرى.. أنا مستعد أقرا القصائد ألكي طول عمري.. بس تكوني جنبي.. وقريبة مني.
– ياريت يا نينوس.. بس أمي تريدنا نروح عالسويد!
– أعرف.. هاي أمكي ما دخلت راسي أبداً.. بس أنا مستعد أسافر عالسويد حتى أتزوجك هنيك ونرجع للقامشلي تاني مرة.
– يا نينوس.. أرجوك.. سامحني على اللي صار اليوم في دورة الانكليزي!.
– أثرى!.. أنا زعلت منكي.. لأن عقلك مرات يتصرف بسرعة وبدون تفكير!
تضحك أثرى من قلبها, محاولة خنق الضحكة حتى لا يسمعها أحد, ثم تضيف: هذه عادة جنس حواء يا نينوس!
تفتح مارين الباب فجأة على ابنتها.. ترتبك أثرى.. تغلق الخط.. تقترب الأم وعلامات الغضب تتطاير من وجهها وكأنها سوف تمزق ابنتها.. تعود أثرى إلى الوراء مذعورة.. تنحصر في زاوية الغرفة.. تلف مارين أصابعها حول رقبتها.. تقول هامسة: يابنت الكلب.. راح اخنقكي وأخلص منكي.. أفضل ما تعملي شي وتبهدلينا بين الناس!
تتلعثم أثرى وتحاول فك رقبتها من بين أصابع أمها: ماما دخيلكي.. اختنقتو.. والله ما في شي.. بألله مافي شي.
سحبت الأم القصيدة من يد ابنتها بقوة, وقالت لها: دقي الرقم بسرعة.. أريد أحكي مع هالكلب ابن الكلب!
قالت أثرى بتوسل وألم: أمي.. الله يرضى عليكي.. أجلي الموضوع لبكرى!.. دخيلكي ماما.
– لأ.. هلا راح تدقي الرقم.. أحسن ما أفيق أبوكي كمان!.
وتدق أثرى الرقم.. يرفع نينوس السماعة بسرعة.. يقول: ها أثرى.. شو صار؟
وتجيب مارين بعصبية: أثرى؟!.. وألف وجع في عينك يا مراهق.. مو عيب عليك هالتفلونات بنصاص الليالي؟!.. ما تخجل على أصلك إذا كان عندك أصل.. يا ابن الشوارع!!
وتغلق مارين الهاتف بقوة.
أحس نينوس بصفعة قوية في أحاسيسه ومشاعره.. بدأت الدماء تغلي في عروقه.. نظر إلى السقف.. آلاف الصور والكلمات تراءت له.. مسك سماعة الهاتف بثقة وغضب.. رن الجرس في بيت أثرى.. رفعت الأم السماعة بسرعة.. قال نينوس:
أتمنى يا أم أثرى تسمعيني كويس.. أنا مو مراهق أبداً.. ولا ابن شوارع.. وماراح أرد عليكي بكلمات اولاد الشوارع.. بكرى راح آجي لعندكم وندرس الموضوع!
صمتت مارين لحظة.. أحست أن هذا الصوت مليء بالكبرياء والثقة وهو صوت شاب جريء وواع, فقالت دون أن تفكر كثيراً:
بكرى الساعة 2 بعد الظهر تكون عنا, لحتى نخلص من هالموضوع التافه!
ثم أغلقت الهاتف!!
وضع نينوس السماعة بهدوء وسعادة.. ابتسم وكأنه انتصر في الجولة الأولى.. أطفأ النور.. استلقى على سريره.. وسرح بخياله الجامح في أمور شتى.. 
بقي هكذا أكثر من ساعتين تقريباً, ثم نام قلقاً يتقلب في فراشه وسط كومة من الأحلام المزعجة.


المشهد 3


خرج الطلاب من دورة الانكليزي.. سارت أثرى وحيدة باتجاه البيت.. كانت تعرف أن نينوس سوف يلحق بها.. قلبها يخفق بشدة.. بعد شارعين فقط.. ظهر نينوس أمامها على دراجته الجميلة.. قال لها غاضباً:
تعالي من هنا!.. ترددت أثرى قليلاً.. ثم خضعت لقوة شخصية نينوس, وتوجهت حيث أشار لها.. قال:
– ليش نظراتك الي ما كانت طبيعية أبداً اليوم؟
– بكت أثرى وقالت:
أمي.. أمي يا نينوس!
وتابعت أثرى بكاءها.. الشارع طويل وجميل.. والبيوت الهادئة مبتلة بماء المطر.. ورائحة مألوفة تملأ المكان بعد كل سقوط لقطرات الخير والبركة, تذكر سكان القامشلي بشموخ سنابل القمح وضجيج الحصاد وفرح الناس بمواسم العطاء.
ضوء الشمس يذوب رويداً رويداً في الظلام.. أحس نينوس بالحرج.. أراد أن يقول شيئاً ما.. لكن بكاء أثرى الصادق كان أقوى من كلماته.. تشجع قليلاً:
– يعني أثرى.. أنت لسه بتحبيني؟
هزت أثرى رأسها ايجاباً.. فرح نينوس وقال:
– معناها.. انا راح أروح هلا.. وخدي هالقصيدة.. واتصلي فيني بالليل حسب الموعد.. بدي أقراها الكي عالتلفون!
هزت أثرى رأسها سعيدة.. ثم أسرعت في السير إلى بيتها, بينما ركب نينوس دراجة السباق الجميلة, وانطلق فرحاً كطائر أطلق سراحه!.


المشهد 2


تأخرت أثرى دقيقتين فقط عن موعد درس الدورة الانكليزية.. قلق نينوس.. ابتسم صديقه هاروت, ثم قال معلقاً باستهزاء: اليوم مافي حب وقصائد.. اليوم انكليزي وبس يا سيد نينوس!.
صاح المدرس: يا سيد هاروت.. انتبه عالدرس.. بكرى أبوك يقول: راح ابني على دورة انكليزي عند استاذ أحمد عباس, وطلع حمار شامي!
يقهقه الطلاب بصوت عال.. ويعلق نينوس بصوت مسموع: الحمار الشامي لونو أبيض يا استاذ.. بس هاروت لون أسمر!
ويستمر الطلاب في الضحك.. فجأة تدخل أثرى, وتقف قرب الباب مستأذنة بخجل.. يقول المدرس:
ليش تأخرت يا ست الحسن؟!.. يا بنت الفنان الأول!.. والله لو أبوكي مو صديقي.. كنت راح أعاقبكي قدام كل الطلاب.
ابتسمت أثرى بخجل.. توردت وجنتاها, ولم تتفوه بكلمة واحدة.. نظر بعض الطلاب والطالبات إلى نينوس لأنهم يدركون أنهما على علاقة حب وإعجاب متبادل, ولم يعلق أحد خشية الصدام مع 
قوة شخصية نينوس!.. لأنه يملك ثقافة جيدة.. كما أنه سريع البداهة.. وله هويات كثيرة, إذ يعتبر فناناً في العزف على آلة الأورغ الموسيقية, ويكتب القصائد الجميلة بشهادة مدرس اللغة العربية, كما 
ألقى قصيدة جميلة في عيد الأم.. إلقاؤه كان جميلاً جداً.. ثم عزف معزوفة الأم لأحد الفنانين الألمان.. 
ولا يكتفي نينوس بهذا القدر من الهوايات, فهو يخصص وقتاً كافياً للكمبيوتر الذي اشتراه بستين ألف ليرة سورية.. كما أن مظهره جميل ويبدو دوماً في أناقة زائدة وهادئة, مما يجعل أية فتاة أن 
تتمناه صديقاً أو حبيباً لها, وأغلبهن يحسدن أثرى على هذه العلاقة التي تمت بينها وبين هذا الشاب, لكنهن يعتقدن أنها أفضل صبية تناسبه كحبيبة أو زوجة للمستقبل!
جلست أثرى في مكانها.. رتبت كتبها على المقعد الخشبي.. نظرت بغضب إلى نينوس وكأنها تعاتبه!.. استغرب نينوس لهذه النظرة التي جرحت كبراءه.. ارتبك.. شعر هاروت بذلك!.. ابتسم وعلق: روح بابا روح.. انتهى الحب!. 
وهاروت الأرمني – ابن سيروب, حلاق البشيرية – هو أعز صديق لنينوس, خفيف الظل, انفه الكبير هو سبب في تعليقات وطرائف الإصدقاء الذين يفرحون له كثيراً, لكنه دوماً يعدهم وفي سبيل الطرافة أيضاً أن يجري عملية تجميل لانفه ويجعله شبيهاً بانف مايكل جاكسون, لكن بشرط أن يتبرع الأصدقاء بتكاليف هذه العملية.. وهو يعرف أيضاً أغلب أسرار نينوس, ويشاركه العزف على الأورغ ويتعلم برمجة الحاسب لكنه لا يملكه إنما هو على وعد مع أبيه لشراء هذا الجهاز مستقبلاً.
المدرس أحمد عباس يشرح الدرس, ويتحدث الانكليزية اللذيذة والسلسة, بينما نينوس في عالم آخر.. يهمس لنفسه: (لماذا هذه النظرة الغاضبة؟!..) وشعر كأنه جرح في قلبه.. أخذ القلم وبدأ يرسم أشياء غريبة على دفتر اللغة الانكليزية.. عيون غاضبة.. أياد بأظافر حادة.. أسلاك شائكة.. وأشياء أخرى كثيرة.
علم المدرس أحمد أن نينوس شارد الذهن وهو يرسم أشياء لا علاقة لها بالدرس بتاتاً, فاقترب نحوه.. وبسرعة همس هاروت له: خبي كل شي.. أجاك الاستاز.
لكن المدرس استطاع أن يأخذ الدفتر من بين يدي نينوس ويعرض الصفحة المرسومة على الطلاب مستهزئاً من نينوس:
الله الله.. لوحة بيكاسو.. وين عقلك يا أهبل؟!
وقف نينوس في وجه المدرس مثل رجل يطلب التحدي ثم قال: أنا مو أهبل يا أستاذ!!.. (سحب الدفتر من يد المدرس.. دمعت عيناه.. تابع): أنا تعبان.. لازم أروح عالبيت!.. جمع دفاتره وكتبه.. حاول المدرس أن يمنعه, لكنه لم يستطع.
خيم صمت عجيب على القاعة.. سار نينوس باتجاه الباب.. توقف فجأة.. ألقى نظرة سريعة غاضبة على أثرى.. ثم خرج وهو يصفق الباب خلفه بقوة!
القاعة صامتة تماماً.. نظر المدرس أحمد إلى طلابه.. ابتسم قليلاً ليضفي جواً عادياً على القاعة.. قال: معليش.. الضرب ممنوع.. والدورة حرة.. وإلا كان ألي حساب تاني معو!
ثم توجه بالحديث إلى هاروت: ليش هيك سوى صديقك يا هاروت؟
نظر هاروت إلى أثرى نظرة سريعة جداً, ثم تظاهر بالبلادة والاستغراب: والله يا استاذ ما بعرف!!.. بشرفي عجيبة!!.. بس تسمح لي أروح لعندو وأشوف شو المشكلة؟
أجاب المدرس بعصبية: لأ.. ما بسمح لك يا سيد هاروت!.. لأنك تريد تهرب من الدرس وتكركر معو!
قهقه الطلاب ضاحكين ومحاولين إعادة روح المرح والسعادة على القاعة للعودة إلى متابعة الدرس, بينما بقيت أثرى تتخبط في بحر أفكارها وتصرفاتها, وكلمات أمها (ألف واحد بكرى بيطلب أيدك.. وبيركعوا قدام رجليكي…)
أخفت دموعها بين يديها.. وبكت بصمت محاولة اخفاء عينيها عن الطلاب.. بينما كان هاروت ينظر إليها من تحت حواجبه لينقل تفاصيل الأحداث إلى صديقه نينوس لعله يواسيه!